دبي – أهي بداية النهاية للأسطورة ؟

dubai.jpgمنذ فترة قرأت عن مشروع حكومة دبي في إعادة تأهيل مدارس الدول الإفريقية الأكثر فقراً ودعم مصاريف طلابها عبر منظمة إنسانية أنشأتها باسم Dubai Care ، وجاءت الأفلام الدعائية التي بثتها وتبثها مجموعة قنواتها الفضائية عن المشروع بمقارنات من قبيل: أن ثمن عقدٍ ماسيّ كفيل بتوفير مصاريف التمديدات الصحية وإمداد المياه العذبة لمدرستين، وثمن نظارة شمسية فخمة يعادل المصاريف المدرسية لثلاثة طلاب. وهلم جراً من تلك المقارنات التي تجعلنا ندرك أن بعض نفقات رفاهيتنا كفيلة بانتشال مئات الآلاف من الأطفال من براثن الجهل وبالتالي من الموت في كثير من الأحيان. إنها لمحات بسيطة توقظ فينا ذلك الشعور المنسي بالتعاضد والتضامن الإنساني وتحفز الكثيرين، كما آمل على الأقل، إلى المبادرة والعمل…

في الواقع تترافق هذه الحملة الإعلانية مع نهضة اقتصادية وعمرانية غير مسبوقة تشهدها دبي، ويقال أنها ورشة البناء الأكبر في العالم في الوقت الراهن. وعلى ما يبدو، فإنه حقيقةً ما من حدودٍ لطموح حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، كما صرح في مقابلة مع برنامج 60 Minutes، حتى أن شواطئ وأراضِ دبي لم تعد تتسع لهذا الطموح فأخذ معاونه يبلطون البحر حرفياً ويقيمون المشاريع السكنية المختلفة من جزر النخيل وجزر العالم. وأضحت دبي سوق الذهب الرئيسية في العالم، كما صار جبل علي، المنطقة الحرة في دبي، مماثلاً لوادي السيليكون في أمريكا بحيث أسست معظم شركات التكنولوجيا العالمية الرئيسية، مقرات إقليمية لها في دبي لتكون نافذتها على أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أما على الصعيد الرياضي فحدث ولا حرج، إذ تستضيف المدينة أبرز الفرق العالمية في مختلف الرياضات وتقيم سباقات مهمة وبطولات رئيسية في أكثر من رياضة عالمية.

تجتمع إذاً كل هذه المعطيات لتشكل صورة أقرب إلى المثالية، حتى انك لتتساءل إن كانت هذه المدينة تقع حقاً على هذا الكوكب. إلا أنه يبدو أن لا مكان للمثالية إلا في الأساطير، في الروايات والقصص الخيالية. وتبدو لنا قصة نجاح دبي واقعية ومن هذا العالم عندما نقرأ الأخبار الأخيرة عن إضراب العمال الذي جرى في الأيام الماضية، وأعمال الشغب التي رافقته. والسبب في الإضراب هو المطالبات المتكررة للعمال بتحسين أجورهم، ظروف معيشتهم ووسائل نقلهم. فمع انخفاض قيمة الدرهم الإماراتي والدولار أصبحت أجور معظمهم لا تتجاوز 146 دولار أمريكي وفي أحسن الأحوال تصل إلى 276 دولار.

أنهت قناة CBS الأمريكية تقريرها عن دبي في برنامج 60 Minutes بالحديث عن هذه النقطة بالذات. وكيف أن الكثيرين باتوا يتحدثون عن الظلم الواقع على هذه الفئة من العمال من باكستانيين وهنود وبنغاليين والتي اختارت العمل في أماكن بعيدة عن عائلاتها وأطفالها، لتعيش في ظروف إنسانية مجحفة وشروط عمل قاسية بحثاً عن لقمة العيش. وتنبأ بعض المحللين بأن المشكلة الأبرز التي ستواجهها حكومة الإمارة هي التعامل مع غضب هؤلاء وإحساسهم الفائق بالغبن.

ويبدو أن هذه التوقعات لم تخب فما لبث البعض من هؤلاء العمال أن أعلنوا إضرابهم وامتنعوا عن العمل وتطور الموضوع إلى أعمال شغب فما كان من حكومة دبي أن عالجت الأمر إلا بترحيل 4 آلاف عامل ترحيلاً دائماً عن الإمارة!

سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أنا من الأشخاص الذين يقدرونكم ويقدرون طموحكم وسعيكم الدؤوب لجعل مدينتكم المكان الأفضل على وجه الأرض كما تقولون على الدوام. لكنكم تتجاهلون نقطة في غاية الأهمية وهي أن الإنسان هو القيمة الأسمى في الوجود، وعندما أقول إنسان فأنا لا أقصد فقط طبقة المدراء التنفيذيين والمقاولين والمهندسين والأطباء الذين أتوا من كل أنحاء العالم لمساعدتكم على تحقيق هذا الحلم الجميل والذين يتقاضون الآلاف، وإنما تشمل هذه التسمية أيضاً تلك الطبقة المنسحقة من العمال التي تعمر بلدكم بعرقها وجهدها مقابل الفتات المتساقط من موائد السياح والمستثمرين الذين يقصدون مدينتكم. لذلك أرجوك أن انظر بعين الرحمة والرأفة لأولئك المساكين الموجودين في الصحراء على تخوم مدينتك قبل أن تبحر بعيداً إلى مدارس أفريقيا المهملة بالرغم من سمو عملكم هذا.

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: