كنتُ غريباً فآويتموني وعُرياناً فكسوتموني

لا أدري أهي الصدف البحتة تراكمت واحدةً فوق الأخرى؟ أم أنها العناية الإلهية التي رتبت هذه الصدف لألتقي في دمشق منذ بضعة أيام بأحد الآباء اليسوعيين والذي يدير خدمتهم للاجئين في العالم JRS . في البداية خيّلَ لي أن زيارتي ستقتصر على بضعة ساعات ألتقي فيها بالأب بيتر ثم أعود أدراجي، إلا أنها امتدت ليومين ونيف ويا لهما من يومين!

لأن الآباء كانوا بحاجة لمن يرافقهم في زياراتهم ويساعدهم في الترجمة، فقد اضطررت للبقاء في دمشق للمساعدة على قدر ما أستطيع. فرافقتهم في زياراتهم لبعض العائلات العراقية اللاجئة في محاولة منهم للتعرف على احتياجات اللاجئين والكيفية التي يمكن للآباء اليسوعيين المساعدة في التخفيف من معاناتهم. للأسف اقتصرت زياراتنا على عائلات مسيحية لأن الشخص الذي رتّب لنا هذه الزيارات على صلة بها بشكل أو بآخر. وكم تمنيت لو أننا تمكنا من زيارة عائلات مسلمة شيعية أم سنية للتعرف على أوجه أخرى من المأساة.

صحيح أن زيارتي كانت قبل بضعة أيام من بدء أسبوع الآلام لدى المسيحيين الكاثوليك لكنني عِشتُ مع الأب بيتر ورفيقه خلال هذين اليومين، وللمرة الأولى في حياتي ربما، آلام المسيح بأدق تفاصيلها. ففي كل بيتٍ زرناه تجسدت لنا مرحلة من درب الصليب الذي يسيره إخوتنا العراقيون بعيداً عن أرضهم، وفي وجه كل فردٍ من العائلات التي زرناها تراءى وجه المسيح المذلول، المهان والمعذب. لا أعرف كيف أسوق الكلمات المناسبة للتعبير عما رأيناه من حزن وتعاسة، فلكل عائلة مأساتها التي تخنق الكلمات: فهذه جدة سبعينية تربي برفقة أختها أحفادها الثلاثة بعد أن قتل أبويهما في انفجار سيارة مفخخة، وتلك أم مع ابنتيها هربن بعد اختطاف الأب منذ أكثر من سنة، والعائلة المؤلفة من ثمانية أفراد من بينهم ستة أطفال والتي هربت بعد أن استولت الميليشيات على منزلها، والمهندسة التي تركت وظيفتها في التلفزيون العراقي وهاجرت مع أبويها المسنين بعد تلقيها تهديدات بالقتل بسبب عدم ارتدائها الحجاب…

في كل مرة سألناهم كيف يمكننا المساعدة، كان الجواب واحداً: “المساعدة الوحيدة هي أن تؤمنوا لنا سفراً سريعاً وكل ما عداه غير ذي قيمة”. يا الله ما نوع الجحيم الذي أضحت عليه أرض العراق بحيث يفر الناس ويتركون كل شيء؟ أهكذا أصبحت أي دولة أخرى في العالم مكاناً أفضل من وطنهم؟

على الرغم من معاناتهم، وعلى الرغم من أن مسيحيي العراق قد أصبحوا الحلقة الأضعف، أو بالأحرى متلقين للضربات التي تأتيهم من كل الجهات، إلا أنهم نادراً ما تحدثوا بسلبية عن إخوتهم المسلمين! إنهم يدركون أنهم هم الآخرون ضحايا. فشعب العراق كله ضحية.

موقف آخر أثر بي، ألا وهو مشاعر الامتنان التي أظهروها لسوريا بالرغم من الظروف المعيشية القاسية التي يمرون بها. “شكراً لسوريا. باستقبالها لنا أنقذت أولادنا من الموت”. وهذا الموقف ليس حكراً على العراقيين وحدهم إذ بدا بأن المنظمات الدولية العاملة في سوريا كلها مدركة للدور الكبير الذي قامت به السلطات السورية تجاه اللاجئين وأنها قدمت كل ما بوسعها وبالتالي ينبغي على المجتمع الدولي التحرك للتخفيف من حدة معاناة العراقيين ومد يد العون لهم. ولكن ما من مجيب، للأسف فقد لخّص الآباء الموقف بعبارة بسيطة: “اللاجئون العراقيون غير مرغوب بهم في الدول الغربية، لأن كل لاجئ إضافي هو عبارة عن برهان إضافي على فشل سياسة أمريكا وحلفائها في العراق”.

صباح الأحد ذهبت برفقة الآباء لحضور قداس الشعانين مع إخوتنا العراقيين في كنيسة الكلدان بباب توما. طبعاً الكنيسة كانت أصغر من أن تستوعب الأعداد الهائلة للكلدان العراقيين المنتشرين في دمشق، مما اضطر الكهنة إلى إقامة قداسي شعانين في نفس الكنيسة! هنا كانت المشاعر أقوى من قدرتي على الاحتمال فاغرورقت عيناي بالدموع أكثر من مرة خلال القداس. كيف لا وأنا أسمع الكاهن يبدأ عظته بدعوة أبنائه إلى الفرح والابتهاج بمناسبة الشعانين على أمل قيامة شعب العراق، وينهيها وهو يجهش بالبكاء بعد أن أثار كلامه عن اغتيال مطران الموصل للكلدان ذكريات تجربة الخطف الأليمة التي سبق له هو الآخر أن تعرض لها؟ أو أن يطلب الشماس من الشعب الصلاة على نية عودة أكثر من عشرة مفقودين ذكر أسماءهم؟ أو حتى الموسيقى الليتورجية الحزينة التي شارك في إنشادها جميع الحضور في الكنيسة، والذين امتزجت أصواتهم وابتهالاتهم في صوت واحد خاشع متضرع.

أتراك سمعت صراخ أبنائك يا رب؟

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: