أمن الممكن عيش الإنجيل في عالم اليوم؟

من منا لم يسمع بمثل السامرّي الصالح الذي رواه السيد المسيح في إنجيل لوقا (10: 30 – 36) جواباً على سؤال من هو قريبي. ولمن لم يسمع به من قبل أورده هنا باختصار:

فأجاب يسوع: كان رجلٌ نازلاً من أورشليم إلى أريحا، فوقع بين أيدي اللصوص. فعرّوه وانهالوا عليه بالضرب. ثم مضَوا وتركوه بين حيّ وميّت. فاتفق أن كاهناً كان نازلاً في ذلك الطريق، فرآه فمال عنه ومضى. وكذلك وصل لاوي إلى المكان، فرآه فمال عنه ومضى. ووصل إليه سامري مسافر ورآه فاشفق عليه، فدنا منه وضمد جراحه، وصب عليها زيتاً وخمراً، ثم حمله على دابته وذهب به إلى فندق واعتنى بأمره. وفي الغد أخرج دينارين، ودفعهما إلى صاحب الفندق وقال: “اعتن بأمره، ومهما أنفقت زيادة على ذلك أؤديه لك عند عودتي.

ومثلما يفقد الشيء من كثرة الاستعمال أو الاستعمال الخاطئ معناه، فكذلك أضحى هذا المثل يستخدم في غير موضعه في كثير من الأحيان، بل وأضحى تعبير “Good Samaritan” مرادفاً في كثير من الأفلام والمسلسلات الأجنبية، لفاعل الخير المجهول. لكن ما الذي أراد المسيح إيصاله حقيقة من وراء هذا المثل، أهي دعوة لفعل الخير وحسب؟ وما سبب استعماله للسامري في معرض المثل؟

لنفهم ما رمى إليه السيد المسيح، لا بدّ من فهم الخلفية التاريخية للمجتمع اليهودي في ذلك الوقت والعداء المستحكم بين اليهود والسامريين وخاصة بعد عودة اليهود من سبي بابل. فالصراع كان بين الطاهر (اليهود) والنجس (السامريين)، إذ كان اليهود يرون السامريين حثالةً، ويعتبرون خبزهم أنجس من لحم الخنزير وماءهم أنجس من دم الخنزير، ومن يصافح سامرياً يبقى نجساً حتى المغيب وخيرٌ لليهودي أن يموت عطشاً من أن يسأل سامرياً الماء. وإلا فما سبب تفاجأ المرأة السامرية عندما طلب منها يسوع أن تسقيه عند بئر يعقوب؟

فالرجل النازل من أوشليم في مثلنا هو يهودي من دون شك، إذ نادراً ما يذهب أهل السامرة إلى أورشليم. ورغم ذاك أعرض عنه الكاهن واللاويّ (خادم الهيكل) ولم يسعفوه مخافة أن يتنجسوا، في حين لم يتردد السامري العدو والنجس من أن يغير مشاريعه ويؤخر سفره ويصرف من جيبه لإنقاذ هذا العدو الجريح.

أشعر أن الكثيرين ما أن يصلوا إلى هذا الحد من القراءة سيقولون في قرارة نفسهم “ما هذه الأفكار الطوباوية التي لا يمكن القول بها في أيامنا هذه؟”. في الواقع، إن سبب كتابتي هو أنني تأملت في هذا النص صدفةً بعد فترة من كتابتي لمقالة سابقة على مدونتي بعنوان “بطولاتنا الوهمية”، اعترضت فيها (بغض النظر عن صحّة الاتهامات لسمير القنطار أم لا، فهذا ليس موضع النقاش هنا) على ثقافة الكراهية والحقد الأعمى الراسخة في عقولنا تجاه العدو الإسرائيلي وفي عقل الإسرائيلي تجاهنا، والتي تسمح للكثيرين باعتبار الآخر (العدو) كائناً غير بشريّ لا يمتلك الحق في الحياة، وبالتالي يحق لهم التشنيع والتنكيل بهذا العدو كيفما اتفق.

في هذا الجو إذاً شعرت بصدمة لدى تأملي في نص السامريّ الصالح، وتساءلت: ماذا لو أتى المسيح اليوم إلى فلسطين وبدل السامريّ الصالح أعطانا مثل “الإسرائيليّ الصالح” أو “الفلسطيني الصالح”؟ ماذا لو أتى إلى العراق وأعطى أمثالاً عن “السنيّ الصالح”، “الشيعيّ الصالح”، “الكرديّ الصالح” أو “الأمريكيّ الصالح”؟ بل ماذا لو أتى إلى الهند وأعطى أمثالاً كهذه للهندوس والمسيحيين المتخاصمين هناك؟ لم أتخيل إلا أننا سنرفضه اليوم كما رفضه اليهود وصلبوه منذ ألفي عام، إلا أن عقابه هذه المرة سيكون أقسى فهو لن يحظى بمحاكمة، وإن كانت صورية كالتي أجراها السنهدريم، وإنما سيأتيه القصاص سريعاً بصاروخ ذكي موجه من طائرة أو انتحاري أعمى التعصب أعينه أو سيارة مفخخة.

نعم يا سيدي ما زلنا اليوم نرفضك كما رفضناك منذ ألفي عام، لم يتغير شيء. وما زالت الأفكار المسبقة عن الآخر ومشاعر العداء ذاتها. وما من شكٍ أنك ستلقى في عالمنا اليوم ميتةً أشنع من ميتة الصليب، ولكن أتراك تقول لأبيك حينها “اغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون”؟

    • nour
    • سبتمبر 22nd, 2008

    حلال عليك يا شيف فادي لك أبوس عينك على هيك مقال

  1. أهنئك على هذه المقالة الرائعة!

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: