إلى أي حد أثر بولس في المسيحية؟ مجمع أورشليم مثالاً…

414050يثير بولس الرسول على الدوام الكثير من اللغط حوله، والكثيرون لا يمكنهم فهم التحول الذي أصابه هو اليهودي من سبط بنيامين، الفريسي ابن الفريسي من مضطهد للكنيسة إلى رسول الأمم الأول. لا بل أن هناك فكرة رائجة لدى الكثير من الدعاة الإسلاميين على أن المسيحية الحالية هي حصيلة تعاليم بولس وتختلف عن تلك التي بشر بها المسيح. والمواقع والمنتديات الإسلامية المنتشرة على الإنترنت تتسابق في إيراد الشواهد على ذلك.

واليوم وبسبب احتفال الكنيسة الكاثوليكية بالسنة البولسية، فقد أخذت أقرأ وأتأمل عن بولس ودوره في نشر الإيمان وأردت أن آخذ مثالاً عن ذلك دوره في مجمع أورشليم.

ما هو مجمع أورشليم؟

يعتبر مجمع أورشليم (حوالي السنة 50 ميلادية)، الذي شارك فيه بشكل أساسي بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب، والمذكور في سفر أعمال الرسل الفصل الخامس عشر وفي رسالة بولس إلى أهل غلاطية، محطة محورية في حياة وتاريخ الكنيسة الأولى. حيث أعطى دفعاً لرسالة الأمم، ونظّم في الوقت نفسه الحياة في تلك الكنائس الجديدة الناشئة والمهددة بالانقسام الداخلي، وساعد في شرح التحول الحاصل في الكنيسة من كونها يهودية بالأساس، نحو كنيسة تغلب عليها الجماعات الوثنية المتحررة من الشريعة اليهودية. كما كان مَعْلماً على الصعيد اللاهوتي، ونموذجاً للتسويات في المسائل غير ذات الأهمية، وللثبات في القضايا الجوهرية المتعلقة بالحقيقة الإنجيلية.

الكنيسة الأولى

في السنوات الأولى التي تلت موت يسوع، كان معظم المؤمنين يهوداً بالولادة. ويرى بعض الدارسين بأن اليهود المسيحيون كانوا يطبقون كل مفاهيم الدين اليهودي الرائجة في عصرهم مع فارق أساسي يتجلى في إيمانهم بأن يسوع هو المسيح (Messiah) المنتظر.

إلا أنه وبفضل العمل الدؤوب لبولس وبرنابا، فقد تحول العديد من الوثنيين إلى المسيحية (أعمال 13 و14)، وبدا من الجلي أن الوثنيين سيصبحون ركناً أساسياً في الكنيسة. لذا أصبح من الضروري توضيح بعض التفاصيل اللاهوتية والعملية المتعلقة بدخول الوثنيين إلى الكنيسة.

خلاف في أنطاكية

تبدأ القضية كما يصفها سفر أعمال الرسل (15: 1-3) بقدوم بعض الأشخاص، من أورشليم واليهودية يدعون بأنهم ممثلين لكنيسة أورشليم، إلى أنطاكية، وذلك قبيل عودة بولس وبرنابا من رحلتهما الرسولية الأولى. أخذ هؤلاء يقولون للراغبين بالانضمام إلى الدين الجديد بأنه لا يمكنهم الخلاص ما لم يمارسوا طقس الختان اليهودي، علامة عهد الله لإبراهيم.

عارض بولس وبرنابا هذا الرأي بشدة، وحين بدت الكنيسة في أنطاكية غير قادرة على البت في الموضوع، قررت إرسالهما إلى أورشليم لمناقشة هذه القضية مع الرسل والشيوخ هناك. وفي أورشليم اجتمع بولس على انفراد مع قادة الكنيسة (غلاطية 2: 2) من الممكن أن هذا الاجتماع حدث غالباً، قبل الاجتماع العلني الذي يتحدث عنه سفر أعمال الرسل.

النقاط المشتركة والنقاط الخلافية

كان الجميع، سواء أنصار يعقوب أم بولس، يعترفون بأن المسيح هو وريث المواعد، ويمثل تحقيق عهد الرب بشكل كامل. إلا أن أنصار يعقوب، وهم المسيحيون من أصل يهودي، كانوا يرون أن العهد يصل إلينا عن طريق الشريعة. وعلى العكس من ذلك يؤكد بولس وبشكل قاطع “أن المسيح افتدانا من لعنة الشريعة” (غلاطية 3: 13). وليس ذلك فقط بل يرى أن الشريعة حمل ثقيل فرض مؤقتاً، وأنه يخشى أن توقع في الخطأ وتبقي في الوهم “إنما أضيفت بداعي المعاصي إلى أن يأتي النسل الذي جعل له الموعد” (غلاطية 3: 19). فبرأيه ليست أعمال الشريعة هي ما يحمل إلينا الخلاص والحياة في المسيح وإنما الإيمان “فإنكم جميعاً وقد اعتمدتم في المسيح فقد لبستم المسيح، فليس هناك يهودي ولا يوناني” (غلاطية 3: 27-28).

النقاش في أورشليم

كان الهدف من الاجتماع كما يصفه سفر الأعمال، هو حل الخلاف الناشب في أنطاكية، والذي كانت له أبعاد أعمق من مسألة الختان، كما رأينا. إذ أن بعض الفرّيسيين الذين أصبحوا مؤمنين رأوا أنه “يجب أن يختن المؤمنون من غير اليهود ويعملوا بشريعة موسى” (أعمال 15 :5).

وعلى ما يبدو فقد عقدت الكنيسة اجتماعاً علنياً للبت في الحكم أداره يعقوب. سُمِح في هذا الاجتماع لكلّ من له رأي أن يدلي به وهناك أدلى المؤمنون الفريسيون، ذوي الميول اليهودية (أعمال 15: 5) برأيهم أولاً، لكن بولس والآخرون رفضوا الاستسلام.

كان بولس يرى أن خضوع الوثني المهتدي لنير الشريعة يعني ضمّه إلى الشعب اليهودي، وبالتالي الانفصال عن سائر الناس. ومن هنا كان يتساءل: ماذا يحل بشمولية دعوة يسوع وانفتاح الملكوت على الأمم كلها؟ وللقائلين بأن الله أعطى عهده لشعب معين، كان بولس يرد بأن العهد أعطي لإبراهيم “أبو جمهور من الأمم” ونسل أوفر من نجوم السماء ورمال البحر. وفي هذا إشارة واضحة إلى شمولية عهد يسوع وعدم اقتصاره على شعب أو فئة معينة.

خطاب بطرس

شرح بطرس، الذي أعطاه الرب مفاتيح السماء (متى 16: 19)، الظروف التي قادته إلى منزل كورنيليوس. وتبنى، باسم الكنيسة جمعاء، براهين بولس المؤكدة أن الله يريد خلاص الوثنيين. إذ رأى بأن الله هو من اختار أن يسمع الوثنيون بشارته ويؤمنوا، والله يعرف قلوب المؤمنين من الوثنيين وبالتالي منحهم الروح القدس (أعمال 15: 8).

بواسطة الإيمان طهّر الله قلوب الوثنيين، وجعلهم نظيفين طقسياً. فالنقاء الطقسي كان همّاً رئيسياً لليهود المتشددين وخاصة الفريسيين. وهو انتقد المدافعين عن الختان بقوله لهم: “فلماذا تعارضون الله؟” (أعمال 15: 10). ورأى بأن خلاص الوثنيين يتم بذات الطريقة التي يخلص فيها اليهود.

قرار يعقوب

يبدو أن خطاب بطرس أنهى النقاش الدائر واستكانت النفوس فبدأ يعقوب، من حيث انتهى بطرس، وتصفه الرسالة إلى أهل غلاطية على أنه من المحافظين المتشددين. وأعطى توصياته التي تبناها المجمع وصاغها في رسالة إلى الكنائس المعنية. برأ القرار بولس وبرنابا من خلال إعلانه عدم إلزامية الختان. إلا أنه طلب من الوثنيين تجنب بعض الممارسات المقيتة بالنسبة للشعب اليهودي من قبيل: تقديم الأضاحي للأصنام، أكل اللحوم مع الدم، أكل لحوم الحيوانات النافقة والزنى.

خلاصة

يمكن القول أنّ هذا المجمع والخلافات التي سبقته لم يكن أول أزمة شهدتها الكنيسة وحسب، بل الأزمة التي تكونت الكنيسة في صميمها. فقبل ذلك كانت الكنيسة مجرد شيعة يهودية جديدة رأت في يسوع المسيح المنتظر. أما بعد هذا المجمع فقد أصبحت كنيسة الأمم، كنيسة من أجل الشعوب كافة.

يجدر بالذكر أن هذا المجمع لم يقم بإضافة قواعد جديدة، بل حذف بعضاً منها كان عقبة أمام إعلان البشارة. والمبدأ الذي طرحه هذا المجمع يمكن اختزاله فيما يلي:

“يجب ألا يرغم أحد على الخضوع لانتقال ثقافي للوصول إلى الإيمان المسيحي. ويجب إلا يفرض على أي شخص يرغب في أن يكون مسيحياً عادات تعود إلى ثقافة خاصة ارتبطت بها الكنيسة في مراحل تاريخها”.

Advertisements
  1. أولاً حسب ما أفهم من رسالة بولس إلى غلاطية هو أن بولس بعدما بدأ بشارته ذهب إلى أورشليم واجتمع بالمعتبرين من الرسل لا لكي يناقشهم في موضوع أعمال الناموس بل لكي يستشيرهم ويعرف منهم إذا كان ما يقوم بتعليمه يرضي الرب وينسجم مع تعليم الرب ولم يكن نفس الوقت الذي تم فيه مجمع الرسل. ومن ناحية ثانية من أين استنتجت أن يعقوب كان يخالف بولس في الرأي حول الطلب من الوثنيين تنفيذ أعمال الناموس، هل من رسالة يعقوب؟ إن يعقوب في رسالته كان يتكلم عن أعمال الرحمة والمحبة وليس عن أعمال الناموس تلك التي كان يقصدها بولس في رسالته إلى روما ثم هل نحن نتكلم عن نفس الشخص؟ كما تعلم هناك اثنان اسمهما يعقوب، يعقوب الرسول ويعقوب أخو الرب كاتب الرسالة الذي لم يكن من تلاميذه. ومن أين أتيت بعبارة “أنصار يعقوب”؟ كما هو واضح في أعمال الرسل أن الذين كانوا يطالبون الأمم بتطبيق وصية الختام هم من الذين كانوا سابقاً من مذهب الفريسيين وليس يعقوب بالتأكيد واحداً منهم.

    • ramivitale
    • ديسمبر 6th, 2008

    بالمناسبة نسيت أن أذكر أن الخلاصة في آخر المقالة جميلة ومعبرة جداً وصحيحة جداً … تحية

    • †نـهـــــــــــــــــــايـة†
    • ديسمبر 8th, 2008

    شرح ممتاز الرب يبارك حياتك

    • sami
    • ديسمبر 9th, 2008

    إلى الأخ رامي
    المعلومات الّتي وردت صحيحة، ويجدر بك أن تقرأ أعمال الرسل، أي النصّ كما هو، لا أن تعتمد على ما هو شائع ومصدره من قيل عن وإلى … فاستنتاج تمسّك يعقوب بالشريعة موجود في أعمال الرسل لا في رسالة يعقوب. ولكن علينا أن نكون دقيقن في القراءة، وأن نستعمل الترجمات الحديثة (الترجمة المسكونيّة، أو الترجمة اليسوعيّة) الّتي هي أدق من ترجمة فان دايغ الّتي تعود إلى المنتصف الأوّل من القرن التاسع عشر

  2. ولكن كيف يتقبل المرء دعوى اتفاق بولص وبرنابا في انطاكيا ؟ بينما برنابا قبرصي صياد ، وبولص يهودي الأصل كان شديد العداوة والكيد للمسيح ! ثم كيف يتقبل المرء تداول البعض قول ، يعقوب أخو الرب ؟! ومنهم من يقول ابن خاله أيضاً ! ثم إذا كان الوثنيون آنذاك يصرون على التمسك بآرائهم وثقافاتهم وعاداتهم آنذاك في إنطاكيا وقبول بولص لهم ، وهو الذي انتشرت على يديه دعوة المسيح ، فهل تنازل لأمثالهم في طريق أسفاره حين مر باليونان ومن ثم إيطاليا ، وإذا كان أخذ عليه التنازل ، فهل احتفظ ببعض العقيدة لنفسه ، وقام بنشر بعضها ، تبعاً لقبول الناس بها …

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: