أستراليا… فيلم أم لوحة؟

استغلينا في جماعة الابتداء فرصة عطلة عيد الميلاد للقيام بنشاط يكسر الروتين فقررنا الذهاب إلى السينما. ولأننا كلنا ما نزال أغراراً في القاهرة ولا نعرف أماكن دور العرض ولا الأفلام

australia_web1التي تعرضها، فقد اخترنا الحل الأسهل وهو التوجه إلى أكبر مجمع تجاري في القاهرة – السيتي ستارز- على اعتبار أنه يضم مجمعاً سينمائياً ضخماً ولا بد أن نجد ما يعجبنا فنضرب عصفورين بحجر واحد، نشاهد الفيلم ونتنزه قليلاً في أرجاء هذا المجمع.

بعد اللف والدوران والتوهان في مدينة نصر وصلنا أخيراً إلى مقصدنا. طبعاً ما من داعٍ للحديث عن الصدمة الثقافية في رؤية الفرق الهائل بين شوارع شبرا الفرعية ومجمعات النجوم السبع كسيتي ستارز رغم أنها ليست المرة الأولى التي أزور فيها المكان. يبدو أن التناقضات الاقتصادية الكبيرة والفروق الشاسعة أضحت من السمات الأساسية للمدن الكبرى في الشرق الأوسط. المهم أننا وعلى شباك التذاكر وجدنا فيلمين أجنبيين فقط هما Australia و Four Christmases، أصابتنا الحيرة قليلاً في الاختيار إلا أننا قررنا المغامرة ومشاهدة Australia.


حسناً، بدأ الفيلم بداية بطيئة وكوميدية بعض الشيء، ولكن قبل أن تتسرب خيبة الأمل إلى نفسي تسارعت الأحداث ولم أشعر بالساعتين ونصف إلا وقد انقضت مسفرة عن نتيجة مذهلة، إنه واحد من أروع الأفلام التي أشاهدها منذ مدة طويلة وقد أبدعت بطلته نيكول كيدمان قي نقل مشاعرها إلى المشاهدين بحيث لم يتمكن أحد الجالسين بجانبي في نهاية الفيلم من حبس دموعه، بل بالحري لم يتمكن من إخفاء صوت نحيبه. إنه ثالث أفلام كيدمان الذي يؤثر بي بعد Cold Mountain وMoulin Rouge. وفي هذه الأفلام الثلاثة تظهر هذه الممثلة الأسترالية الجميلة قدرة فائقة على التنويع بين الشخصيات من المغنية وراقصة الكباريه، إلى السيدة البريطانية الأرستقراطية، فالمزارعة الأمريكية أو الأسترالية.

تدور أحداث الفيلم في فترة الحرب العالمية الثانية (يبدو أنه مهما صور من أفلام عن هذه الحقبة فإنه سيظل هناك دوماً المزيد ليروى) وتحديداً قبيل قصف اليابانيين لميناء بيرل هاربور الأمريكي، وينتهي مع هجوم اليابانيين على مدينة داروين الأسترالية في طريق عودتهم من مهمهم الأمريكية. وهو يتعرض لعدة قضايا مهمة تستدعي التفكير، ولعل أهمها قضية الأجيال المسروقة، أي الأولاد مختلطي العرق الذين نتجوا من أب أوروبي أبيض وأم من السكان الأصليين الذين كانت حالهم كحال السكان الأصليين في أي بقعة من العالم الجديد وصلها الأوروبيون، استعباد وإبادة ونظرة دونية. المذهل في الأمر أن البيض كانوا ينتزعون هؤلاء الأطفال مختلطي العرق من أحضان أمهاتهن (وكأنما لا يكفي هؤلاء الأمهات تعرضهن للاعتداء البشع والاستغلال الجنسي المتكرر) ليرسلوهم إلى جزيرة معزولة، وهناك يقوم الكهنة بتعليمهم وتربيتهم تربية خاصة تهدف إلى انتزاع آثار العرق الأسود منهم!

غريب كيف تمنح فئة من الناس نفسها السلطة والحق الديني في فرض تربية معينة وأخلاق معينة على الآخرين المختلفين، إنه الأمر ذاته الذي حصل في أمريكا الجنوبية من قبل الأسبان والبرتغاليين مع هنود الغواراني! وهو يحصل اليوم بطرق مختلفة عبر فتاوى متنوعة!

لن أتكلم أكثر عن قصة الفيلم لئلا أفسد المتعة لمن يود مشاهدته. إنه باختصار فيلم ساحر أبدع مخرجه في تصوير الريف والصحراء الأسترالية، ورسم بكاميرته لوحات فنية رائعة جعلتني أتمنى زيارة الصحراء وخوض تجربة العيش فيها بضعة أيام (رغم علمي بأن جسمي لن يقو على مقاومة الحر والعطش). لقد جعلتني تلك الصور أشكر الله على قدرة البعض إخراج الجمال من قلب القساوة والظروف الصعبة. لقد عشت نفس التجربة لدى قراءتي لرواية رائعة بعنوان “الطوارق” للكاتب الأسباني البرتو باثكث فيكيروا، والذي يتفنن في وصف الصحراء وأسلوب الطوارق في العيش فيها والتعايش معها والتأقلم مع قسوتها بطريقة جذابة تجعل المرء يتشوق للقيام بهذه المغامرة. إنها موهبة فريدة ونعمة لنا تمكننا ونحن في مقعدنا في صالة السينما أو فراشنا نقرأ الكتاب نعيش هذه التجارب والمشاعر.

بقي أن أذكر أن البطولة مشتركة بين نيكول كيدمان وهيو جاكمان بطل سلسة أفلام X-men، وطفل رائع من السكان الأصليين لأستراليا يلون الفيلم بصوته وموسيقى شعبه.

 

    • labib
    • يناير 4th, 2009

    إخراج الجمال و القساوة من قلب الظروف الصعبة : هى دى رسالة المسيحي فى كل زمان و مكان .
    الصحراء مكان يتجسد فيه الله كما فى المدنية ( راجع كلمات ترنيمة : يا عطش الأرواح ) .
    في الفيلم بعد عن معنى التجسد : هى و فداء الإنسان ، فهم الثلاثة يصورون الرسالة الفريدة التى أرسلها الله في التجسد : الله لا يملكه أحد ، هو يعطي ذاتة

  1. رغم أني كنت أتوق لرؤية هذا الفيلم بمجرد عودتي إلى الديار.. لكن لحدّ الآن ظروفي لم تسمح باقتناءه..
    الريفيو الذي قمت به أعلاه حثني أكثر على اقتناءه في عطلة نهاية الأسبوع هذه..
    كل الود..

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: