إغناطيوس دو لويولا من خلال ذكرياته الشخصية

أنهينا منذ أسبوعين قراءتنا لكتاب الذكريات الشخصية للقديس إغناطيوس دو لويولا مؤسس الرهبنة اليسوعية، وقد طُلب منا أن نقوم بإعداد ورقة عن ملامح شخصيته كما تكشفت لنا من

portrait_ignatius خلال هذه القراءة، والنقاط التي أثرت في كلّ منا أو لمسته في مسيرته الشخصية. وقد أحببت أن أشارككم في ما توصلت إليه عن هذا القديس  مؤسس الرهبنة اليسوعية، المولود في العام 1491 والذي عاصر فترة الإصلاح البروتستانتي…

لم يحاول إغناطيوس في ذكرياته الشخصية التحدث عن إغناطيوس المؤسس للرهبنة اليسوعية، بل لم يحاول أن يرسم عن نفسه صورة مشبعة بالقداسة والأعمال العظيمة، وإنما تحدث عن إغناطيوس الإنسان. الإنسان الذي خاض مسيرة روحية طويلة وشاقة لم تخلُ من العقبات والتجارب الروحية والوساوس التي أوحت له بالانتحار سبيلاً للخلاص. مسيرة جعلته يرى الله في كل شيء.

إنه يروي لنا قصة تحول إنسان كرّس نفسه لحماقات العالم من فروسية وملاحقة نساء ورغبة عارمة بالشهرة قادته إلى الدفاع عن حصن بامبلونة الحدودي، إلى رجل كرس ذاته فيما بعد من أجل خلاص النفوس. إنه يروي لنا تحول ولاء الفارس وتوقه لخدمة الملك الأرضي، إلى حب كامل ورغبة مطلقة في خدمة الملك الأزلي.

إنه يتحدث عن الإنسان الذي افتقد في بداية مسيرته الروحية لروح المحبة والتفهم المسيحية حين كان مدفوعاً بإيمانه البدائي وغيرته، كما في لقائه مع المغربي على طريق مونسراته. الإنسان الذي افتقد للحكمة فيما يتعلق بدرب القداسة، فقام بتقشفات وإماتات أضرت بصحته حتى أيامه الأخيرة.

إنها قصة عن الوداعة والتواضع اللازمين ليتمكن الإنسان من لقاء الله. التواضع الذي مكنّه وهو في الثالثة والثلاثين من الجلوس على مقاعد الدراسة في برشلونة مع الأطفال الصغار لتعلم اللاتينية الضرورية من أجل رسالته. التواضع الذي مكنّه، هو سليل العائلة النبيلة، من الاستعطاء من أجل لقمته وتكاليف دراسته. التواضع الذي مكنّه من بدء دراسته من الصفر في باريس كما لو لم يكن قد أمضى بضع سنوات يدرس بين مختلف المدن الأسبانية.

إنها قصة عن الحرارة والحماسة التي تجتاح من يخوض خبرة اللقاء بالله، فيسعى جاهداً لنقل هذه الخبرة إلى الناس ويعمل على خلاص نفوسهم دونما مبالاة بما قد يعترضه من مشاكل ومضايقات، وما قد يتكبده في سبيل ذلك من جهد وتعب. أفلا يصف لنا خبرته في منريسا بأن الله كان يعلمه ويعامله كما يعامل الأستاذ صبياً فكيف يضنّ بتلك الخبرة على الآخرين؟

إنها قصة عن الشجاعة التي تسم شخصيته والمتجلية في أكثر من موقف، سواء في حجّه إلى أورشليم رغم الظروف الصعبة والحرب القائمة آنذاك مع الأتراك، أو في عدم سكوته عن الخطأ ورفضه عقد صفقات مع الشيطان ضماناً لحياته أو لإتمام مشاريعه. أو حتى في تأليفه لكتاب الرياضات الروحية وإلقائه للرياضات والعظات في ظل محاكم التفتيش المرتابة بكل جديد، هو العلماني الذي لم يتلقّ أي تعليم لاهوتي أكاديمي آنذاك.

إنها قصة الشخص الممتلئ من روح الله والباحث دوماً عن المزيد في سبيل خدمة الله، الشخص الذي يسعى إلى الكمال ولا يرتضي بأنصاف الحلول أو الأحكام المائعة سواء من محاكم التفتيش أو سفير البابا، وإنما يسعى دوماً إلى حكم واضح وصريح ينهي الجدال ويضع حداً للأخذ والرد بشأن أسلوبه. ويمنحه حرية العمل التي يبغيها.

قصة الشخص الذي ملأه روح الله حكمة، فتحول الفقر والتقشف لديه من غايةٍ إلى وسيلة للوصول إلى الله. وظهر هذا التحول واضحاً في تغييره لأسلوب حياته وفي القوانين التي تركها لرفاقه.

إنه الشخص الذي اكتشف دعوته الخاصة للعمل على خلاص النفوس وسعى وراءها باستمرار. فقاده سعيه إلى الانتقال من مدينة إلى أخرى وإلى الدراسة في عمر متأخر. إنها الدعوة التي بالرغم من اتخاذها أشكالاً مختلفة خلال مراحل حياته، إلا أنها كانت على الدوام مدفوعة بتساؤل عن “أفضل طريقة لخدمة النفوس؟”

إنه الشخص الذي يغوص في رحلة التمييز الروحي، فيعيش حالة تمييز مستمر ومراجعة دائمة لحياته في سبيل اكتشاف إرادة الله فيها والسبيل الأفضل لتحقيق هذه الإرادة.

الشخص الثوري والحداثي، ليس بالنسبة لعصره فقط، إذ ما يزال أسلوب الصلاة والتأمل العقلي الذي بلوره يلقى رواجاً بين مختلف الفئات الاجتماعية حتى بعد مضي 450 سنة على وفاته ما. الشخص الذي لم يدع التقاليد الكنسية تحاصره فرفض تقييد رفاقه بصلاة جماعية قد تعيقهم عن الأداء الأمثل لرسالتهم، بالرغم من مخالفة ذلك لكل الأعراف والتقاليد الروحية للحركات الرهبانية  في عصره وبالرغم من كل الاعتراضات التي واجهته حول هذه النقطة بالذات.

الشخص الذي تعلم أن يستجيب بحرية إلى إرادة الله من خلال النضال لإزالة العوائق التي تعترض حريته هذه.

تكشف لنا ذكريات إغناطيوس الشخصية عن أربع حوادث أو محطات أساسية في مسيرته الروحية التي تشبه إلى حد بعيد مسيرة كل إنسان باحث عن الله…

1-  تمييز الأرواح إثناء فترة نقاهته في لويولا… واكتشافه لوجود أرواح طيبة وأرواح سيئة تعتمل في نفسه، والأثر الذي يخلفه كل منها في نفسه.

2-  خبرة منريسا مع الوساوس والتجارب… الخبرة التي أتاحت له اكتشاف الأساليب الملتوية التي يتبعها الروح الشرير في إغرائه ومحاولة إغراقه في اليأس رغم أنه يأتيه في أفكار ظاهرها جيد ورائع. هذه الخبرة التي منحته القدرة على مقاومة التجارب حتى آخر أيامه.

3-  استنارة الكوردونير… بالرغم من أن إغناطيوس لم يبح يوماً بمضمون هذه الاستنارة أو الرؤيا إلا أنها من الخبرات المؤسسة في حياته وروحانيته، ويبدو أنها كانت لقاءً مع الله منحه إحساساً عميقاً بأن كل المخلوقات تنبثق من الله وأنها بالمسيح تعود إلى الله. وهو ما عبر عنه فيما بعد بأننا كلنا قطرات في النهر العظيم الذي له دوره الخاص في مشيئة الله المتكشفة للعالم. إنه التحول من التأمل إلى المشاهدة، مشاهدة الله في كل شيء.

4-  رؤيا دو لاسورتا… هذه الرؤيا هي خلاصة مسيرته الروحية، إنها ما كان ينتظره ويصبو إليه أن يكون مع الآب والابن. فيها أحس إغناطيوس بالتعزية الأكبر “سأكون داعماً لك في روما”، وبالرغم من أنه لم يعرف ماهية الدعم الذي سيوفره له الله، وبالرغم من أنه ظن بادئ الأمر أنه قد يتعرض للاضطهاد، إلا أن فكرة كونه مع المسيح كانت تعزيه وتكفيه.

إن الصورة التي تتكون لدينا عن إغناطيوس لدى قراءة ذكرياته الشخصية هي أنه شخص شديد، ذو إرادة حديدية، عملي، يظهر القليل من المشاعر أي ذو شخصية غير جذابة أو قليلة الدفء. ولكن إن كان الحال كذلك، كيف يمكن تفسير تأثيره الكبير على الذين عرفوه؟ يجيب لويس جونكالفز دي كامرا، أحد أقرب رفقائه، على هذا السؤال بقوله:

“في الواقع كان إغناطيوس ميالاً إلى الحب؛ بل أكثر من ذلك لقد كان كله حباً، وبسبب ذلك كان بشكل عام محبوباً من الجميع. وما من أحد في الرهبنة لم يكِنّ لإغناطيوس أعظم قدر من الحب ولم يعتبر نفسه محبوباً من قبله.”

                                                                  

ما الذي تعنيه لي ذكريات إغناطيوس شخصياً؟

       بالرغم من أنها ليست المرة الأولى التي أقرأ فيها كتاب الذكريات، فقد سبق لي قراءته مرتين قبل دخول الابتداء، إلا أن هذه القراءة كانت مختلفة للغاية، لقد كانت أكثر نضجاً وتفهماً.

       قبل كل شيء تحمل لي قصة إغناطيوس تعزية كبيرة بشأن مسيرتي الروحية. تعزيني خصوصاً لمعرفتي بخوضه هو القديس صراعاً طويلاً ومريراً مع التجارب والشكوك. لقد كانت قراءة ذكرياته بمثابة رسالة لي بأني لا يجب أن أنتظر اليوم الذي أتخلص فيه من كل التجارب المتعبة والشكوك، لأن هذا اليوم قد لا يأتي أبداً، وأن حياتي الروحية هي مسيرة مستمرة فيها انتصارات وهزائم ولكن المهم فيها هو الثقة دوماً بأنني سألتقي الله في نهايتها. وأن حياتنا الروحية ليست جبلاً نصعده لمرة واحدة فنصل إلى القمة ونجلس عليها إلى الأبد. إنها ليست إجابة نهائية عن تساؤلاتي أتلقاها لمرة واحدة وإلى الأبد.

       إغناطيوس مختلف وفريد. إنه فريد في أسلوبه في الانتباه إلى المشاعر الداخلية ومراقبة تأثير الأفكار على النفس. وبالنسبة لي فإن هذا الأسلوب وهذه الطريقة تلقى صدىً في نفسي، وأنا أحاول أن أتعلم كيف أدع مشاعري وأحاسيسي الداخلية تقودني نحو معرفة إرادة الله في حياتي.

       ما يلمسني أيضاً هو هذا القلق في حياة إغناطيوس الذي يدفعه إلى البحث المستمر عن معنى حياته وإرادة الله فيها. الذي يدفعه إلى الفحص والمراجعة المستمرة وإلى تغيير مخططاته المرة تلو الأخرى طالما أنها لا تلتقي مع مخطط الله.

       في قراءتي الأخيرة للذكريات توقفت مطولاً عند صبر إغناطيوس ورغبته في الوصول إلى قرارات نهائية وحاسمة بشأن ما كان يثار حوله من شكوك. شعرت بأني أتعلم شيئاً جديداً، شعرت برسالة خفية تدعوني إلى إضفاء مزيد من الصبر والثقة على حياتي وأعمالي وألا أستعجل الأمور وأسعى وراء الوضوح والحزم في قراراتي وأفعالي.

ختاماً أدعو كل من لم يسبق له قراءة كتاب الذكريات أن يقوم بذلك ويخوض مع إغناطيوس مغامرته الممتعة التي قادته إلى معرفة  الله.

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: