الموت والمعنى

يحمل الإنجيل في طياته الكثير من المواقف المتشابهة، المواقف التي تتكامل مع بعضها لتوجه لنا رسالة، لتدلنا من خلال كلمات يسوع وأعماله على رؤية الله لما يحيط بنا من مواقف.

وخلال الرياضة استوقفتني بعض النصوص التي تتحدث عن الموت في حياة يسوع، وطريقة تعامله معه. والموت هنا ليس موت الجسد فقط، بل موت الروح وانطفائها، موت الرجاء لدى الإنسان…

الموقف الأول: هو شفاء الأعمى في إنجيل يوحنا (9: 1- 41)، حين يجيب يسوع عن سؤال التلاميذ عمن أخطأ حتى ولد هذا الشاب أعمى:

“ولد أعمى حتى تظهر قدرة الله وهي تعمل فيه”

 

والموقف الثاني: في إحياء لعازر، في رد فعل يسوع لما سمع بمرض صديقه مرضاً مميتاً:

“ما هذا المرض للموت، بل لمجد الله، ففيه سيتمجد ابن الله”

 

في الواقع، أجد صعوبة بالغة في طريقة تعامل الناس من حولي مع الموت، مع المرض والمصائب التي يتعرضون لها. مع اعتبار أن هذا الموت، المرض أو المصيبة هو عقاب من الله على إثم اقترفوه. وكما نرى في نص شفاء الأعمى فهذا المفهوم متوارث من التقليد اليهودي. إلا أنني لم أعتقد يوماً بأن هذا معقول بأن الله صغير العقل لدرجة أنه يعاقبنا كما نعاقب نحن بعضنا بعضاً، بنفس المنطق والأسلوب. بصراحة أنا لا أؤمن بهكذا إله.

لحسن الحظ أن تأملي في هذه النصوص جاء بعد بضعة أيام من قراءتي كتاباً رائعاً لفرانسوا فاريون اليسوعي بعنوان، “فرح الإيمان وبهجة الحياة”. كان الكاتب يقول أننا كمسيحيين مدعوون لأن نضفي المعنى أمام ما لا معنى له، وخصوصاً أمام الموت المفاجئ لشاب أو صبية أو غير ذلك من الحوادث المؤسفة التي لا نتمكن من فهم معناها.

كنت أتساءل في قرارة نفسي، عما يعنيه بهذا الكلام. كيف يمكن إضفاء معنى على أحداث قاسية كهذه. وإذ بي أتوقف أمام هذين النصين، وكأني أقرأ بين السطور رسالة خفية يحملها لنا يسوع عن إضفاء المعنى، عن مج الله الذي يظهر فينا. وهنا ترددت في قلبي عبارة يسوع لمرتا:

“أما قلت لكِ أن آمنتِ ترين مجد الله”

الموت – المصيبة هو شيء مؤلم. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها أبداً. إنه مؤلم ليسوع نفسه. ويوحنا في نص إحياء لعازر لا يتهاون على الإطلاق في إظهار مدى ألم يسوع وتوجعه لموت صديقه، بل يظهره لنا في ثلاث مواضع بعبارات (توجعت نفسه واضطربت، بكى، توجعت نفس يسوع ثانية).

يعرف يسوع أن الموت مؤلم، هو لا يدعي غير ذلك ولا يعزينا بكلمات فارغة بل يتألم مع المتألمين ويبكي معهم. حتى أنه يقيم من بين الأموات ليخفف من حدة الأم، ولكن الأهم من ذلك أنه يقيم من بين الأموات ليقيم قلوبنا، ليحيي الرجاء فينا بأن الموت ليس نهاية.

وهنا كان السؤال الذي واجهني بقوة: كيف ليسوع الذي تألم لمصائب غيره في الموت وبكى لعازر، ألا يتألم لمعرفته باقتراب موته هو، أن يتألم لمعرفته بأنه سيذوق من الكأس ذاتها ولكن بشكل شخصي هذه المرة. في الحقيقة أنه يتألم حتى النهاية إلى الدرجة التي يقطر فيها عرقه دماً، إلى الدرجة التي يطلب فيها من أبيه أن يبعد عنه هذه الكأس.

ولكن…

في كل موت في الإنجيل يظهر لنا مجد الله…

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: