اذكرني يا رب في ملكوتك

كثيراً ما تأملت في نص إنجيل متى حول معجزة تكثير الخبز والسمك ( متى 14: 13 – 21) والنص التالي أي معجزة السير على الماء (متى 14: 22 – 33). لكن هذه المرة لم تكن ككل مرة، إذ توقفت عند نقطة لم تكن تثير اهتمامي أو انتباهي في التأملات السابقة.

وأمر يسوع تلاميذه أن يركبوا القارب في الحال ويسبقوه إلى الشاطئ المقابل حتى يصرف الجموع. ولما صرفهم صعد إلى الجبل ليصلي في العزلة.                     

(متى 14: 22-23)

كانت المرة الأولى التي أنتبه فيها لهذه النقطة… أن العمل الأول الذي قام به يسوع بعد أن أطعم الآلاف الخمسة وصرفهم، هو أنه صعد إلى الجبل ليصلي في العزلة.

غير معقول حقاً… كل هذه الآيات والمعجزات والشفاءات، وفي النهاية عوضاً أن يحتفل مع رفاقه بحصاد اليوم الوافر، فإنه يختم نهاره بالصلاة وفي العزلة إلى أبيه السماوي. أعرف أن يسوع هو رجل صلاة وهذا ليس بغريب عليه، لكنه ربما غريب علي، غريب على منطقنا البشري أن نرى الابن، كلمة الله المتجسدة، الإله المتجسد، وبعد أن قام بما لا يحصى من الأعاجيب في هذا النهار، أن يصعد إلى الجبل ليختلي بأبيه ويصلي له.

ألهبت هذه الفكرة قلبي بالحب، وحاولت أن أراقب يسوع أثناء صعوده إلى الجبل، تبعته من بعيد لألا أزعج صمته، وعندما استقر في الفسحة التي رآها مناسبة له وسجد لأبيه، سجدت معه من بعيد وحاولت أن أصلي معه بعد أن أنهى يومه.

لم أستطع سماع كلماته، لكن أظن أنه يمكنني تخيلها، أظن أنها كانت شيئاً مثل…

يا أبت السماوي، أقدم لك هذا النهار بكل أفراحه وأتراحه.

أقدم لك كل الأشخاص الذين كانوا هنا، أولئك الذين مضوا فرحين أو الذين مضوا خائبين.

أولئك الذين خلصهم إيمانهم ونالوا الشفاء، وأولئك الذين لم يؤمنوا بعد فعادوا وقلبهم في ضيق.

أقدم لك كل أبنائك الذين سمعوك من خلالي فآمنوا أو هم في طريقهم للإيمان بك.

أقدم لك تلاميذي المساكين الذين لم يتمكنوا بعد من وضع كل ثقتهم ورجائهم فيك أنت الرجاء الحي. هؤلاء المساكين الذين ما زالوا يهتمون بما يأكلون ويشربون دون أن يلقوا عليك حملهم.

أقدم لك يا أبتِ ذاتي وأعمالي كلها.

أقدم لك يا رب كل كلمة نطقتها وكل معجزة قمت بها من خلالي.

أقدم لك كل شيء. فكل شيء منك.

كل ما تم يا أبي هو لتمجيد اسمك القدوس وتسبيحه.

نجني يا رب من المجرب ولا تسمح بأن أعمل أي شيء لمجد أرضي زائل، بل لك وحدك ولمجدك أنت وحدك.

أو ليس من الطبيعي بعد صلاة كهذه، بعد اتحاد مطلق بالآب كهذا، بعد إفراغ كامل للذات كهذا، أن يكون يسوع ممتلئاً بالروح، أن يتجه إلى تلاميذه سائراً على الماء. بل لربما كان الأمر ليبدو أكثر منطقية لو أنه طار إليهم محمولاً من الملائكة التي شاركته تسبيح الآب وتمجيده. إلا أن الآب القدير أراد له أن يمشي على الماء ليقدم لتلاميذه مثالاً قوياً، نموذجاً معبراً عن مفعول الإيمان والصلاة، مفعول الاتحاد الكلي بالإله القدير.

في هذا التأمل فقط فهمت ما عناه يسوع بقوله “لو كان لكم ذرة إيمان لتمكنتم من تحريك الجبال، والسير على الماء، وطرد الشياطين ووو…”. لكنا جميعاً عل مثال بطرس المسكين الذي ما أن آمن حتى تسلل الشك إلى قلبه. فبدأ يغرق.

امنحني يا رب أن أطرد أي شك من قلبي وروحي. يا يسوع اذكرني في صلاتك وساعدني لأن أبقى متحداً بالآب مثلك، وإلى الأبد.

اذكرني يا رب في ملكوتك.

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: