من وحي زيارة البابا بنديكتوس إلى المنطقة

popekefiahلا أخفيكم أني لم أشعر بكثير من الارتياح لدى تلقي خبر انتخاب الكاردينال جوزيف رايتزينغر ليكون البابا الجديد للكنيسة الكاثوليكية باسم البابا بنيديكتوس السادس عشر. ربما يكون ذلك بشكل أو بآخر لما أشيع عن صرامته إبان ترؤسه لمجمع العقيدة والإيمان أيام سلفه. ولأني تصورت كما تصور الكثيرون أن تشدده وصرامته سيبددان الصورة الجميلة التي رسمها بجهد سلفه البابا يوحنا بولس الثاني.

لكني أقر أيضاً بأن عدم الارتياح هذا سرعان ما تلاشى، إذ أثبت البابا في أكثر من موقف أنه مدافع صلب عن الحقيقة، رغم ما يثيره ذلك من تحفظات واستياء المختلفين عنه بالرأي. ولعل في زيارته الأخيرة لمنطقتنا أبلغ مثال عن ذلك.

ما من شك بأن البابا كان على علم مسبق بأن هذه الزيارة لمنطقتنا المتوترة، هي كالسير في حقل للألغام. وبأنه لن يتمكن من إرضاء كل الأطراف، حتى ولو حاول استرضاء طرف ما على حساب الأطراف الأخرى. ورغم ذلك صمم على القيام بها وكان موقفه ثابتاً كما عهدناه: الدفاع عن الحقيقة والعدالة.

للأسف كان هناك الكثيرون ممن منعهم جهلهم وضعف بصيرتهم من رؤية زيارة البابا على حقيقتها. فحاولوا تأويلها وإلباسها ما لا تحتمله. لم يفهموا أنها رحلة حج لخادم شعب الله، يلتقي فيها برعيته ويشد من أزرهم. بل حاولوا تحويلها إلى زيارة دولة، إلى زيارة سياسية لتسجيل المواقف وإدانة هذا أو ذاك. فادعى أكثر من طرف بأنه أبو الصبي وثارت ثائرته حين لم يقل البابا ما كان يريد منه أن يقول.

العجيب في هذه الزيارة أنها تمكنت من توحيد المتطرفين من كل الجهات العربية، المسلمة، اليهودية وأحياناً المسيحية على انتقاد البابا وتوجيه اللوم له.

قد أتفهم مواقف اليهود الذين لم ولن يرضيهم العجب العجاب، والذين تناسوا كلمات البابا المؤثرة في وصف مأساة المحارق النازية أمام نصب ياد فاشيم، وكيف طالب بعدم نسيانها لتكون درساً لنا للمستقبل، يساعد على مد جسور السلام. وتوقفوا عند رفضه دخول القاعة حيث وضعت صورة البابا بيوس الثاني عشر مع صور مجرمي الحرب النازيين ليكيلوا له الشتائم ويتهموه بالانتماء إلى الشبيبة النازية في صباه. واعتبرت الصحف الإسرائيلية أنه لم يندد بما يكفي بالمحارق. ولم يظهر ما يكفي من العاطفة في خطابه!

قد أتفهم مواقف بعض الغلاة الإسلاميين الذين ما يزالون يتخذون من محاضرة رايتسبورغ ذريعة لمهاجمة قداسته واتهامه باحتقار الإسلام رغم أنه أعلن في الطائرة التي أقلته إلى الأردن أنه يكن احتراماً عميقاً للمسلمين. وقد أتفهم، وإن على مضض، موقف رئيس الوزراء الفلسطيني المقال اسماعيل هنية حين دعا البابا لزيارة المحارق الحقيقية في غزة، بالرغم مما يحتويه هذا الموقف من رفض للآخر، فكلٌ يحاول شد اللحاف لطرفه. والبابا المسكين يتابع مسيره في الحقل الملغم دون مبالاة لهذه المطالب أو تلك، بل دافع بأمانة عن وجهة نظره ومفهوم الكنيسة للعدالة.

العدالة التي تسمح لشعب فلسطين بأن يعيش في دولة مستقلة متمتعاً بحقوقه. العدالة التي تزيل جدار الفصل العنصري الذي أقامته إسرائيل والذي ندد به في أكثر من خطاب. والعدالة التي تعتبر الإسرائيلين بدورهم بشراً لهم حق العيش بسلام. وهذه النقطة بالذات تسبب إشكالية كبيرة لعقلنا العربي غير القادر على منح حق الحياة لمن يختلف معهم. ومن هنا جاءت مواقف منتقدة للبابا فيها الكثير من البذاءة…

أحد هذه المواقف لممثل سوري من الصف الخامس ربما، يدعى نوار بلبل. أعرف أن الكثيرين لم يسمعوا بهذا الاسم من قبل لأنه مختص بأدوار هامشية في أردأ أنواع المسلسلات السورية. ولكن شاءت الصدف أنه قام بدور ما في فيلم سوري تم إنجازه مؤخراً عن حياة القديس بولس، سيعرض بعد أيام قليلة أمام البابا في الفاتيكان. أتحفنا هذا الممثل العظيم بتصريح أعلن فيه عن خجله من عرض الفيلم في الفاتيكان:

أخجل أن يعرض الفيلم بعد زيارته لفلسطين منذ أيام وإظهاره التعاطف مع الأسير الإسرائيلي شاليط، في الوقت الذي لم يظهر أي تعاطف مع 11 ألف أسير فلسطيني يقبعون وراء أسوار السجون الإسرائيلية.

صراحة العبارة السابقة فيها من الاستهبال ما يغني عن التعليق. ولكني كنت أود أن أسأل هذا الفنان عن الطريقة الأنسب التي كان ليقترحها على قداسة البابا لإبداء التعاطف مع الأسرى الفلسطينيين؟! أو بالأحرى ما الذي يمكن للبابا بما يمثله من أن يفعل في سبيل خدمة القضية الفلسطينية أكثر من زيارة المسجد الأقصى وزيارة مخيم عايدة للاجئين في بيت لحم والتنديد بجدار الفصل العنصري ومطالبته بإنهاء حصار غزة والإسراع بقيام الدولة الفلسطينية، الأمر الذي يرفضه رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو؟؟

أما الصحفي في جريدة السفير اللبنانية ساطع نور الدين فأتحفنا بمقالة بذيئة بعنوان “متفرجون على البابا”. لم ير هذا الصحفي في زيارة البابا أكثر من “زيارة أصولي مسيحي يحاول الانتصار لكاثوليكيته المهددة ببزوغ كنائس أخرى” معتبراً البابا الحالي “الأقل فهماً للسياسة من جميع أسلافه فهو رجل عقيدة لا رجل موقف” وأنه “أثبت في أكثر من موقف انه لا يكن للعرب أية مودة، مثلهم مثل اليهود، والمسيحيين من باقي الطوائف”.

لا تعليق!

ختاماً أتذكر قول يسوع “تعرفون الحق والحق يحرركم”. ولا أجد أبلغ من هذا المقطع من خطاب البابا قبيل صعوده الطائرة في مطار بن غوريون مخاطباً الرئيس الإسرائيلي:

لا يستطيع أي صديق للإسرائيليين والفلسطينيين إلا أن يتألم من استمرار التوتر بين الشعبين. ولا يستطيع أي صديق إلا أن يبكي الآلام والخسائر في الأرواح التي أصابت كلا الشعبين في العقود الستة الأخيرة. اسمحوا لي أن أوجه هذا النداء إلى شعب هذه الأراضي: لا لإراقة الدماء! لا للصدامات! لا للإرهاب! لا للحرب! لنكسر دوامة العنف المفرغة. وليبنى سلام دائم يرتكز إلى العدالة، ولتكن هناك مصالحة حقيقية وشفاء. وليكن هناك إقرار جامع بأن دولة إسرائيل لها الحق في الوجود وفي التمتع بالسلام والأمن داخل حدود معترف بها دوليا. وليكن هناك أيضا إقرار بأن الشعب الفلسطيني له الحق في وطن مستقل وسيد، وفي العيش بكرامة والسفر بحرية. فليصبح “حل الدولتين” حقيقة ولا يبقى حلما.

أقله كانت لدى البابا الشجاعة ليخاطب مستمعيه بما لا يحبون سماعه.

  1. بتفق معك تماماً بخصوص انو تم التعامل مع زيارة البابا بطريقة غير مثلى إطلاقاً, و كان يمكن استخلاص أمور جيدة منها لولا فرط الحساسية الواضح الذي جعل الانتقادات تنهال عليه على كل حرف و كل كلمة… و أغلبيتها العظمى بدون مبرر

    تحياتي

      • Fadi Hallisso
      • مايو 19th, 2009

      شكراً لك syriangavroche
      على ردك الراقي، على كل هناك مقالة جميلة على موقع ابونا تناقش المزيد من أبعاد هذه الزيارة وطريقة التعاطي معها بعنوان:
      قداسة البابا وقناة الجزيرة وبعض المتطرفين العرب
      http://abouna.org/Details.aspx?SectionID=1&NewsID=160

    • Édouard Ayoub
    • مايو 20th, 2009

    Personnellement, je n’ai pas été surpris, c’est une continuation pour les séries des critiques précédentes (les préservatives en Afrique, la femme brésilienne…)
    Fadi c’est la mode!, à l’occident si tu veux être un bon politicien et pour gagner le vote des publiques, faut très bien encourager tout ce qui a rapport à l’écologie et les droits des homosexuels et de même il faut surtout trouver toute sorte des causes pour insulter le pape, et monter la mauvaise réputation de l’église catho.
    Suite à la dernière réclamation du pape en Afrique, et l’accident de la femme brésilienne, il y a eu des nombreuses personnes qui se sont adressées au diocèse de Montréal pour demander l’apostasie!!
    Je voulais dire qu’heureusement jusqu’au moment, et comme orientaux, nous continuions à garder le don de la foi! (faut voir le bon côté)

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: