هل يمكن وقف دائرة العنف عن الدوران؟

ملفت للنظر ذلك الجدل الدائر حول قضايا التعذيب، والذي فتح على مصراعيه مع قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة، التي انتقد أركانها وبشدة سياسات الإدارة السابقة في السماح وبشكل شبه رسمي بإتباع أساليب استجواب غير تقليدية (للإشارة إلى التعذيب). والدفاع المستميت لديك تشيني (الحاكم الفعلي في إدارة بوش كما يقال)، عن تلك الأساليب غير التقليدية.

ملفت للنظر كذلك الموقف المحرج الذي واجهه أوباما عندما صوت أعضاء حزبه الديمقراطي في الكونغرس ضد مشروع القانون الذي تقدم به لإغلاق معتقل غوانتانامو. علماً أن استطلاعات الرأي تظهر رفض غالبية الأمريكيين لإغلاقه، رغم اعتراض هذه الغالبية على سياسات بوش. ربما أنقذ أعضاء الحزب رئيسهم من نفسه عندما حلوا بذلك مشكلة إيجاد سجون تقبل باستقبال هؤلاء المعتقلين.

يبدو أن هذا الجدل محتدم في أمريكا والعالم الغربي بشكل أكبر مما نتصور، وأعمق من الاتهامات المتبادلة بين السياسيين وأقطاب الحزبين الرئيسيين، لينتقل إلى المست

24_S7_logo_F - 133x123

وى الشعبي. إذ ما السر في تركيز كثير من الأفلام والمسلسلات البوليسية على موضوع التعذيب وتناوله المرة تلو الأخرى؟ بل أن مسلسلTwenty For 24  الشهير أصبح يناقش قضية التعذيب في كل موسم من مواسمه. حتى أنه في الموسم السابع الأخير يبدأ بمحاكمة علنية لبطل المسلسل جاك باور بسبب استخدامه وسائل استجواب غير تقليدية وتجاوزه العديد من القوانين في هذا الإطار. لا بل أن البرنامج يضع المشاهد أمام هذا الخيار في كل حلقة تقريباً. أأنت مع التعذيب أم ضده؟ وغالباً ما نشهد تحولاً في مواقف أعتى المناهضين للتعذيب عقب تعرض البلد لهجمات إرهابية كبرى. أو تأثرهم شخصياً بآثار هذه الهجمات.

للوهلة الأولى كان يبدو لي الخيار سهلاً، أنا طبعاً ضد التعذيب وبكافة أشكاله، وحتى لأقسى المجرمين. ولكن مع القليل من التفكير في الحالات التي تعرضها مثل هذه البرامج، أجد نفسي غير قادر على اتخاذ موقف واضح بسهولة… وخاصة حين نوضع أمام خيار الموافقة مثلاً على تعذيب إرهابي يعلم بمكان وضع قنبلة كيماوية ستقضي على حياة عشرات الآلاف؟ أو إرهابي آخر يمكنه إيقاف جهاز سيفجر عشرات المفاعلات النووية المنتشرة في البلاد؟ أوه، إني لا أكاد أصدق نفسي بأني أطرح هذا السؤال على نفسي. يبدو أن الميديا بدأت تفعل فعلها معي وتغسل دماغي.

هل هناك موقف وسطي بين الموقفين؟ بين الرفض والقبول؟ سؤال طرحته منذ فترة على أحد الآباء بصيغة مختلفة. إذ كنت قد أنهيت تحميل فيلم Valkyrie والذي يتحدث عن محاولة اغتيال هتلر. وقتها وجدت نفسي أسأل ودونما تفكير: ما هو موقف الكنيسة من اغتيال هتلر مثلاً؟ أما كان من الأفضل قتله، بدل التضحية بعشرات الملايين من البشر؟ فكرت أنني ربما لو عشت وقتها وسنحت لي الفرصة، ربما كنت قد فضلت التضحية بضميري وإراحة البشرية من هكذا سفاح. وربما تظل هذه مجرد افتراضات وترف فكري.

posterمن جهة أخرى، ربما لو قتل هتلر وقتها لكان جل ما تم هو استبدال سفاحٍ بآخر أسوأ (إذ لا يمكنني التصور بحال من الأحوال أن هتلر بمفرده هو المسؤول عن المآسي التي ارتكبتها آلة الحرب النازية). من المثير للدهشة أن هذه الفكرة وردت على لسان ضابط الموساد الإسرائيلي الذي قاد الخلية التي قامت بتصفية قيادات الثورة الفلسطينية في أوروبا انتقاماً لعملية ميونيخ الشهيرة في فيلم ميونيخ-Munich لستيفن سبيلبرغ.

رائع هذا الفيلم بحواراته (رغم رفضي لوجهة نظر المخرج حول القضية الفلسطينية). ينتهي الفيلم بأزمة الضمير التي عاشها هذا الضابط بعد سبع اغتيالات قام بها، وبعد أن أصبح هو نفسه طريدة للمنظمات الفلسطينية. وفي الحوار الأخير له مع المشرف المسؤول عنه في الموساد، يسأله: ماذا فعلنا؟ هل انتقمنا لقتلانا حقاً؟ ألم نقم فقط باستبدال القادة الفلسطينيين بنماذج أكثر عنفاً!

أراد الفيلم أن يظهر بوضوح كيف أن دائرة العنف لا تتوقف عن الدوران، وأن الدم لا يشبع والقتل يطلب دوماً المزيد.

موقف آخر غريب ومفزع جداُ ولا أتمكن من فهمه، ذاك الخبر عن اغتيال أحد الأطباء الممارسين لعمليات الإجهاض في أمريكا على يد ناشطين معارضين للإجهاض. صراحة لا أفهم كيف يمكن لمن يعارض القتل أن يمارسه؟

ظهرت مؤخراً مجموعة من التقارير تظهر حقائق ملفتة للنظر:

–          30% من  المعتقلين السابقين في غوانتانامو عادوا للانضمام إلى القاعدة بعد إطلاق سراحهم. ألا يعني هذا أن المعتقل فشل في تحقيق أهدافه؟

–          في حين عاد فقط 10% من الإرهابيين الذين خضعوا لبرامج التأهيل في السجون السعودية إلى الانضمام للقاعدة.

–          محقق أميركي يصرح بأن التعذيب في المعتقلات الأمريكية في العراق وغوانتانامو يدفع المقاتلين أكثر فأكثر للانضمام إلى القاعدة (اقرأ التفاصيل). ولكن أليس لأحداث 11 سبتمبر دور في إنشاء غوانتانامو أساساً؟!

طبعاً الأمثلة لا تنتهي وتنطبق على كافة الصراعات العنفية التقليدية من فلسطين إلى العراق إلى أفغانستان فالهند وباكستان وحتى في الصراعات الدموية التي تزخر بها القارة الأفريقية.

يبدو لي في كثير من الأحيان أن العنف في عالمنا هو في دائرة مستمرة بالدوران دونما انقطاع. وأن كل محاولة لتحليل مسبباته وأسباب انطلاقه هي كمحاولة الإجابة على السؤال التقليدي: أيهما أتى أولاً الدجاجة أم البيضة؟

أعرف أن الانتقام هو أول ما يتوارد على البال عقب التعرض للعنف. ولعله الإجابة الأسهل والأسرع على آلامنا، خيباتنا، جروحنا وغضبنا. وما مظاهر الغضب وعبارات التهديد والوعيد التي نشهدها في كل جنازة لقتيل أو شهيد إلا أبلغ مثال على ذلك. ولكن هل يشفي الانتقام الغليل؟ أما من سبيل لكسر دائرة العنف هذه؟ أما من مخرج؟

خربشة على الهامش:

كذلك أجد مثيراً للاستغراب أن يلجأ المناضلون حول العالم للاستشهاد دوماً بالثورات العنفية لإقناع مناصريهم بوسائلهم لتحقيق التغيير. وكيف أن ما من أحد، حقاً ما من أحد حاول مرة الاقتداء بثورة غاندي اللاعنفية!

هل أن تجربة غاندي فريدة بحيث لا يمكن تكرارها؟ أو محاولة السير على نهجه على الأقل؟

لم يتحول كثيرون من المناضلين السلميين إلى استخدام العنف؟ سواء المناضلون البيئيون أو مناهضو الإجهاض أو حتى بعض دعاة لاهوت التحرير؟

أإلى هذا الحد العنف سمة أصيلة من سماتنا البشرية، بحيث يظهر حتى لدى أشد المعارضين له؟

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: