عبرت القناة

نعم لقد خضت هذه التجربة العظيمة بأن أعبر قناة السويس مع آلاف العابرين ولكن مع الأسف لم يكن عبوري مظفراً على ظهر دبابة أو كوبري من كباري الجيش المصري المستخدمة في حرب 73، وإنما على ظهر معدية عادية من تلك التي تعبر القناة يومياً بين بور سعيد وبور فؤاد.

DSC05669-1

وبالرغم من بساطة وسيلة العبور، إلا أن شعوراً عظيماً كان يتملكني في كل مرة، فمن جهة كنت أعبر الخط الرفيع الفاصل بين قارتين وأضع قدمي في دقائق في قارة أخرى. ومن جهة أخرى كنت أفكر في كم من الدماء سال في هذه القناة حتى ليخال المرء في بعض الأحيان أن لون المياه القاتم هو بسبب اختلاطه بالدماء.

فكرت في كم المصريين الذين عملوا طوال 10 سنوات (1859 – 1869) منذ عهد الخديوي سعيد إلى عهد الخديوي إسماعيل في حفر هذه القناة التي تمتد 192 كيلومتراً من ميناء بورسعيد شمالاً وحتى بور توفيق في السويس جنوباً. تقول الرواية التاريخية أنه مات في حفر القناة حوالي 125 ألف عامل بسبب العطش والكوليرا والجدري. كان العمال يجلبون للسخرة من مختلف مناطق مصر، حيث توجب على كل رجل تقديم عام من السخرة في حفر القناة أو الترع التي تحمل مياه النيل وهو النظام البديل عن خدمة العلم في أيامنا.

فكرت في التاريخ، إنها قناة التاريخ حقاً، تاريخ طويل من الصراعات فمن النفوذ الفرنسي إلى الاحتلال البريطاني فتأميم القناة والعدوان الثلاثي في 56 فحرب 67 وحرب 73 إلى أن حل السلام أخيراً.

روت لنا الراهبات الباقيات في المنطقة عن الدمار الذي لحق بمدينة السويس في حرب الـ 73 وكيف أن الحكومة أخلت المدينة من السكان، فأخلين بدورهن أديرتهن. وعند العودة وجدوا الدمار يعم المدينة، حتى كنيسة الدير دمرت جراء القصف الإسرائيلي.

فكرت في الدماء التي سالت في سبيل هذه القناة. في الإنجاز الكبير الذي حققه المصريون في اجتياز خط بارليف. صجيح أني أصبت بشيء من خيبة الأمل حين لم ألمح آثاراً لهذا الخط، إلا أننا تمكنا على الأقل من زيارة موقع تبة الشجرة. إنه أحد مواقع القيادة العسكرية التي أقامها الجيش الإسرائيلي في قلب الصحراء حوالى 12 كيلومترا بعيدا عن القناة على الضفة المقابلة لمدينة الإسماعيلية للتحكم بخط بارليف.

هو موقع محصن لضبط القيادة محمي بشكل جيد ومجهز بشكل ممتاز. ويقال أنه كان الموقع الأخير الذي تمكنت القوات المصرية من الاستيلاء عليه.

DSC05678

وقد أحسنت الحكومة المصرية تحويله إلى مزار للحرب وشاهد على العدوان. فيما من حوله تمتد المزارع المستحدثة في قلب الصحراء والتي تظهر كالبقع الخضراء في بحر الرمال.

DSC05679

هذه بعض مشاهداتي ومشاعري وأنا أعبر القناة.

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: