خربشات من مصر

لا أعرف الأسباب وراء تشكل هذه الصورة التي يحملها معظم السوريون (بمن فيهم أنا)، عن مصر على أنها دولة فقيرة ومتخلفة وتستحق أن ينظر إليها بشفقة ورثاء. أهي المسلسلات والأفلام التي تروج لهذه الفكرة، أم هو شعورنا بنوع من الفوقية وحاجتنا لأن ننظر إلى الآخر بتعال لنطمئن أنفسنا بأننا بخير وأن هناك من هو أسوأ حالاً منا.

photo_lg_egypt

صورة للأهرامات من مجلة ناشيونال جيوغرافيك

بعد سنة من إقامتي في مصر، يمكنني القول أنها تتفوق علينا بأشواط. صحيح أن هنالك نسبة مرتفعة من الفقر، وصحيح كذلك أنها تعاني من الانفجار السكاني. إلا أن الصحيح أيضاً أن الدولة هنا قامت وتقوم بعمل جبار على صعيد البنية التحتية.

بم أبدأ؟ بالكهرباء التي لم تقطع خلال السنة التي أمضيتها هنا إلا في حالة واحدة لعطل طارئ؟ رغم أن عدد السكان قارب الـ 80 مليوناً. في حين أننا في سوريا التي لم يصل تعداد سكانها إلى العشرين مليوناً (أي أقل من عدد سكان القاهرة) بتنا نفرح من الخطوة الحضارية التي أقدمت عليها مؤسسة الكهرباء في إصدار جدول لساعات تقنين الكهرباء ليأخذ المواطنون حيطتهم!

أو عن الانترنت التي تصل بسرعات عالية حتى إلى قرى الصعيد البعيدة وباتت الشركات تتنافس على بيع خطوط الـ ADSL التي تبدأ سرعاتها بـ 512 Kbps؟ في حين أننا في سوريا ما زلنا نعيش أبعاد معجزة الانترنت  بالـ Dial Up ومحظوظ أبو من يحصل على خط ADSL دون أن يدري متى وكيف يتوقف عن العمل.

على سيرة الانترنت فوجئت بأن مفهوم حجب المواقع غائب في مصر، وأن المواقع كلها، موالية ومعارضة بما فيها الفايس بوك الملعون، مفتوجة للمواطنين دون خوف من وهن نفسية الأمة وإضعاف الشعور القومي. ما من شك بان هنالك هامش في حرية الرأي والتعبير في مصر أكبر منه بكثير من ذاك الموجود في بلدي سوريا، والنقاش الذي تشهده الجرائد حول موضوع ترشح جمال مبارك للرئاسة أكبر مثال.

أما عن الجرائد فما أدراك ما الجرائد في مصر؟ إنها متنوعة تنوع ألوان الطيف (وليست بلون واحد) ومن كل التيارات فهناك الحكومية والمعارضة والمستقلة، هناك الإسلامبة والمسيحية والعلمانية. والمهم في كل هذا هو الحرية في تعاطي ونقد مختلف الموضوعات السياسية أو الاجتماعية، من مسألة مبارك الابن إلى أداء الحكومة فالنقاب بل حتى دور جهاز أمن الدولة في الحياة العامة. لهذا تجد إقبالاً واسعاً من الناس على شراء وقراءة الصحف التي غالباً ما تنفذ من الباعة مع ساعات الظهيرة ويكون المرتجع قليلاً للغاية. ترى كم يبلغ مرتجع صحفنا السورية من تشرين إلى الثورة فالجماهير؟

الأدب هو الآخر كان من المفاجآت السارة لي هنا. حركة التأليف نشطة جداً تواكبها طباعة ونشر بأسعار معقولة وفي متناول اليد، فرواية عزازيل التي طبع منها حتى الآن 14 طبعة ما زالت تباع بسعر معقول 30 جنيهاً فقط (حوالي 280 ليرة) في حين تجاوز سعرها في سوريا الـ 500 ليرة. طبعاً سعادتي لا تقتصر على الأسعار وإنما تكمن في تعرفي على الأدب المصري عن قرب وقراءتي لأعمال جميلة لكثير من الكتاب الجدد بالنسبة لي على الأقل فتعرفت مع إبراهيم عبد المجيد على الإسكندرية وأجواءها أيام الحرب العالمية الثانية في روايته (لا أحد ينام في الاسكندرية) وشوقني بهاء طاهر في (واحة الغروب) لزيارة واحة سيوة والتعرف على سحرها. وعشت مشاكل الشباب مع علاء الأسواني في (شيكاغو). كما تعرفت على تجربة رائدة تقوم بها دار الشروق من خلال نشر كتب تحوي أجمل مدونات المدونين المصريين في سلسلة تحمل اسم (مدونة الشروق)، بدأت اليوم بقراءة أحد كتب هذه السلسة وهو (قهوة المصريين). والأغرب في كل ذلك هو أنني بدأت في مصر بالتعرف على عدد من الكتاب السوريين الذين لم أسمع بهم من قبل في سوريا مثل سمر يزبك وابراهيم الجبين…

أخيراً، ما أثار دهشتي هو الإنسان في مصر. هذا الإنسان الكادح الذي لا يملك ميزة النق التي لدينا نحن السوريين. والذي يعرف كيف يرضى بما لديه رغم الفقر والظروف الصعبة. لفتني منذ أيامي الأولى هنا طريقة تعامل الناس مع المشاكل، الشتائم نادرة حتى في أصعب المواقف. أستخدم في المقارنة دوماً الشارع المؤدي إلى بيتنا والذي تلتقي فيه السيارات يومياً وجهاً لوجه بحيث يتوقف السير. ويتمكن الناس من حل الموقف في كل مرة من دون اللجوء إلى الشتائم والضرب، بالطبع يعلو الصراخ من وقت لآخر لكن الأمر لا يتعدى ذلك أبداً.  الإنسان هنا يعرف كيف يبتسم ويهزر حتى في أصعب المواقف، لكم يمدني ذلك بالشجاعة.

  1. غريب بس كمصري سوري الأصل! لم أسمع من أي سوري أن مصر متخلفة أكثر من سوريا🙂

    نهائياً – بس من ناحية الشتائم🙂 فيه كتير بس يمكن أنت قابلت ناس محترمة🙂

    عيد سعيد
    تحياتي

      • Fadi Hallisso
      • سبتمبر 24th, 2009

      بالنسبة لموضوع الشتائم سيد أحمد، فالموضوع نسبي…
      يعني بالأحياء الشعبية بحلب مدينتي العزيزة بتسمع الأولاد الصغار عمبتلفظوا بشتائم بتخجل. الموضوع هون أقل بكتير برأيي.

  2. السلام عليكم
    كمصري
    الموضوع ليس كما تقول .. غنحن لسنا الجمال المطلق و لا النهاية المبتغاة
    نحن فقط .. ربما يعتبرنا البعض .. أفضل الأسوأ
    ينظر من في الخارج لحرياتنا .. و نحن في مصر نشكو من قلتها !!
    ينظر من في الخارج لبساطتنا .. و نحن في مصر ساخطين على المعيشة ليل نهار .

    شكراً لك اخي .. لكني متأكد بأنك إذا نظرت الى بلدك سوريا من أبعاد مختلفة ستجد انها افضل بلد في العالم .

      • Fadi Hallisso
      • سبتمبر 24th, 2009

      أرجو ألا تفهمني يا سيد أبو بكر خطأ، بالنسبة لي سوريا بلدي هي أفضل بلد في العالم بالفعل. ولكن ما أردته في هذا المقال هو لفت النظر إلى بعض الفوقية التي لدينا تجاه غيرنا والتي بدأت عدواها تنتقل إلينا من دول مجاورة، إضافة إلى نقد بعض الظواهخر السلبية في مجتمعي السوري.

  3. السلام عليكم مدونتك فيها جراة وشجاعة وكلامك جميل عن مصر .. كثير من العرب من كل الدول العربية يدخلون مدونتي عدا اهل سوربا الشقيقة ولااعرف لماذا .. ربما لوجود بروكسي او ماشابه.. ان كنت مقيم بسوريا حاول الدخول لمدونتي .. وشكرا مقدما

      • Fadi Hallisso
      • سبتمبر 26th, 2009

      شكراً صديقي، في الواقع سبب عدم دخول السوريين إلى مدونتك هو حجب مدونات blogspot في سوريا.

    • sr.Hanaa
    • سبتمبر 27th, 2009

    شكرا كتير على الكلام الحلو ده ربنا يوفقك فى رسالتك ويثبت خطواتك في رسالة المحبة للجميع وانا ليس لدي اي تعليق لما قولته فى هذا الموضع

    • elias khawam
    • أكتوبر 3rd, 2009

    chers Fadi cela fait longtemps que je suis prive de vos commentaires, en ce qui concerne de vos observations sur la vie en Egypte.. moi je suis de l’avis de mr.Mohamed Abu Bakr, le petit model de vie que tu as rencontre, on ne peut le generalise..moi je ne suis pas d’accord avec vous.. .. en tous cas chacun a son opinion… bonne courage et sante..

  4. لم أمتلك أبدا كسوري أية فوقية على مصر كحضارة وكثورة يومية متجدة وحتى الأن أنظر إلى مصر كخزان ثوري لا ينضب ..وأنها الامل والدافع نحو التغيير ..
    ولكن هل هي الجنة التي صورتها …
    لربما عليك أن تتساءل عن مكان إقامتك في مصر ..فهل تقطع الكهرباء في المالكي؟؟
    تحياتي الحارة

      • Fadi Hallisso
      • نوفمبر 3rd, 2009

      لم أقل، كما ولم أقصد أبداً أن أقول أن مصر هي جنة. بالنسبة لي جنتي وناري هي سوريا.
      وبالنسبة لمحل إقامتي الحالي فهو شبرا من أي من أحياء القاهرة الشعبية، لست من سكان مصر الجديدة ولا مدينة نصر ولا حتى 6 أكتوبر. وقد اختبرت موضوع الكهرباء حتى في الصعيد وأقول لك بثقة البنية التحتية في مصر أفضل بكثير، إلا أنها تعاني بالتأكيد من الضغط الكثيف والتسيب والإهمال في بعض الأحيان، ولكنها تبقى أفضل من حال مرافقنا في سوريا. فالأمور هي نسبية!

  5. صديقي ….
    تساؤلت لأن من لي صديقاً كان يدرس في الإسكندرية وقد روى لي رواية عن بيوت لا تعرف الكهرباء حتى الأن ..
    في كل حال …لن أقارن سوريا بأي دولة أخرى ..ولست راض عما يحصل في سوريا ..نستحق بموارد وطننا أن نعيش حياة أرقى وأجمل …
    تحياتي الحارة

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: