أنبياء من عصرنا – أنتوني دو ميلو

المرة الأولى التي سمعت فيها باسم أنتوني دو ميلو، كانت عندما قرر أصدقائي في حلب ترجمة وطباعة كتاب له يدعى الينابيع Wellsprings وهو عبارة عن تمرينات تأملية من خلالanthony_de_mello مواضيع مختلفة من صميم حياتنا اليومية. لم أكن قبلها قد سمعت به ولذلك كنت مسروراً بقراءة مسودات الكتاب التي أرسلت لي قبل طباعته. أحسست يومها أنني أمام اكتشاف عظيم.

ولأن الصدف تجتمع أحياناً بطرق غريبة وغير مفهومة، فقد أخذت كتبه مذاك، تتهاوى بين يدي واحداً بعد الآخر، ففوجئت بعدها بأيام بأن أحد الآباء هنا في الجماعة لديه كتاب آخر من مؤلفاته بالإنكليزية يدعى Awareness  (الوعي). هذا الكتاب من نوع مختلف تماماً عن الينابيع، فهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي ألقاها ضمن خلوات روحية في أمريكا بعنوان “wake up to life” والموجودة اليوم على أشرطة فيديو وتشكل مصدر إلهام لكثيرين ووسيلة مساعدة لتغيير الحياة.

بدأت بقراءة هذا الكتاب وما كدت أصل للصفحة 40 حتى اتخذت قراراً خطيراً! لا بد من ترجمة هذا الكتاب. وهكذا كان، أخذت أترجم الكتاب ببطء شديد صفحتان أو ثلاثة في كل مرة، بحسب الوقت الذي يتسنى لي. طبعاً توقفت أكثر من مرة وأحياناً لمدة تتجاوز الشهرين، إلا أنني كنت أعود إليه في أوقات فراغي القليلة جداً مأخوذاً ببساطة الأسلوب وانسياب الكلمات. كنت أدهش أثناء قراءتي بمدى واقعية وجرأة الكلام الذي يحتويه إلى حد الصدمة، ودهشت أكثر حينما علمت أن دو ميللو توفي عام 1987. دهشت لأني أحسست بأن كلامه معاصر للغاية وينطبق إلى حد كبير مع واقعنا الحالي. إنه من نوع أولئك الأشخاص ذوي البصيرة النافذة الذين يمكن وصفهم بأنهم أنبياء عصرهم.

فمن هو أنتوني دو ميللو؟

أنتوني دو ميللو راهب وكاهن يسوعي هندي من مواليد مدينة بومباي 1931، درس الطب النفسي وعرف بمؤلفاته التي تتناول “الروحانية”، وأمضى حياته، بعد انتهاء فترة تكوينه في الرهبانية اليسوعية، في إلقاء المحاضرات والرياضات الروحية في العديد من بلدان العالم ولا سيما أمريكا التي أكثر من زياراته إليها في سنواته الأخيرة. تميز عمله بمحاولته الجمع بين الثقافتين الغربية والشرقية. فهو ابتدأ تكوينه كراهب يسوعي في بومباي في الهند ثم درس الفلسفة في برشلونة باسبانيا وعلم النفس في جامعة لويولا بشيكاغو، واللاهوت بالجامعة الغريغورية بروما. سمح له هذا التكوين الغني بتنوعه والممتزج بخلفية ثقافية شرق آسيوية متأثرة بالديانات الشرقية، بأن يمتلك أسلوباً ساحراً جذب إليه الكثيرين ومكنه من إنشاء مركز Sadhana الروحي في الهند، ومنه كان ينطلق إلى مختلف أصقاع الأرض لإلقاء العظات والمحاضرات والرياضات الروحية. حمل كتابه الأول نفس اسم مركزه Sadhana وهو كتاب يقدم تمارين وتأملات مسيحية بأسلوب شرقي. إذ يقدم عدداً من التمارين الروحية والتقنيات لمساعدة الناس على الصلاة من خلال اكتشاف “أن الله حاضر مسبقاً في حياتهم”. من خلال هذا الاكتشاف، يعتقد أنتوني، أن الصلاة تصبح استجابة لحضور الله. نرى في إحدى قصص كتبه “دقيقة من الحكمة” One minute wisdom ما يحمل مثل هذا المعنى:

كان الواعظ يقول على الدوام “ينبغي أن نضع الله في حياتنا”، فأجابه المعلم “الله موجود فيها مسبقاً. تكمن مهمتنا في اكتشاف ذلك”.

تمنح هذه القصة وغيرها معنى جديداً بالكامل لحضور الله. هذا الحضور الذي نميل إلى أن نلقاه بشكل متقطع ومؤقت في الأماكن أو اللحظات المقدسة، فيما لا يغيب الله على الإطلاق بالنسبة لأولئك الذين يملكون الأعين لرؤيته والآذان لسماعه. وهكذا يصر أنتوني دو ميللو على “الوعي” لنتمكن من الاستيقاظ، لنتمكن من التواصل مع الواقع.

في كتابات دو ميللو مزيج غريب من المجانية واللا معقول، إنها من النوع السهل الممتنع، ذلك النوع من الكتابات الذي تظن أنك فهمته في المرة الأولى، إلا أنك تكتشف له أبعاداً أخرى كانت خافية عنك في كل مرة تعيد قراءتها، كمثل هذه القصة من كتاب أغنية العصفور – The song of the bird  والتي تحمل ذات عنوان الكتاب:

كان لدى التلاميذ كثير من الأسئلة عن الله. فقال المعلم: “الله هو المجهول والغير قابل للإدراك. كل تصريح يتعلق به، كل إجابة عن أسئلتكم، ما هي إلا تشويه للحقيقة”. ارتبك التلاميذ وسألوا: “لماذا تتحدث عنه إذاً؟”. فأجاب المعلم: “ولماذا يغني العصفور؟” ليس لأن لديه ما يقوله، وإنما لأن لديه أغنية.

كلمات التلاميذهي للفهم. أما كلمات المعلم فليست للفهم. إنها للإصغاء، كما يصغي واحدنا لصوت الرياح في الأشجار ولخرير مياه النهر ولأغنية العصفور. إنها توقظ شيئاً في القلب، شيئاً أعمق من كل معرفة.

انتهت حياة دو ميللو الحافلة بشكل مفاجئ عام 1987 إثر نوبة قلبية هاجمته في جامعة فوردهام في نيويورك عن عمر يناهز السادسة والخمسين. ويشهد رفاقه اليسوعيون الذين تناولوا الغداء الأخير معه ذلك اليوم بأنه كان ممتلئاً بالطاقة والحيوية حتى اللحظة الأخيرة من حياته. ورغم وفاته المبكرة فإن أعماله ظلت حية وتلهم الكثيرين.

من كتبه المترجمة للعربية في الوقت الراهن:

–          دقيقة من الحكمة: ترجمة الأب رفعت بدر – طباعة المركز الكاثوليكي بعمان.

–          الينابيع: ترجمة عابد مبيض ونهاد فرح – منشورات الآباء اليسوعيين حلب.

حتى الآن أنهيت ترجمة نصف كتاب Awareness  ورغم أني لا أعرف إن كنت سأجد من يطبعه أم لا، إلا أنني آمل أن نجد يوماً ما كافة أعماله وقد نقلت إلى العربية وتمت طباعتها بشكل مجموعة، وكم أتمنى لو تتصدى دار المشرق إلى هذه المهمة يوماً ما.

ختاماً إليكم هذا المقطع من كتاب الوعي – Awareness  :

الإيمان هو الانفتاح على الحقيقة بغض النظر عن النتائج، وبغض النظر عن المكان الذي سيقودك إليه، حتى وإن كنت لا تعلم إلى أين سيقودك ذلك. يدعى هذا الإيمان وليس العقيدة. تمنحك عقائدك الكثير من الأمان، أما الإيمان فهو عدم الأمان. لا تعرف، أنت منفتح ومستعد للإتباع، أنت منفتح كلياً! جاهز للإصغاء. ودعوني أذكركم، الانفتاح لا يعني السذاجة، لا يعني ابتلاع كل ما يقوله المتحدث. أوه لا! بل ينبغي أن تتحدّوا كل ما أقوله. ولكن، تحدّوه من موقف انفتاح، وليس من موقف عناد وتصلب. وتحدوا كل ما أقوله. تذكروا كلمات بوذا اللطيفة هذه، عندما قال “لا ينبغي للرهبان والدارسين قبول كلماتي من منطلق احترام، وإنما ينبغي عليهم تفحصها كما يفحص الصائغ الذهب – من خلال قطعها، كشطها، حكها وإذابتها”.

  1. فادي … مقالة رائعة
    لكن كيف يمكننا الحصول على كتاب
    دقيقة من الحكمة: ترجمة الأب رفعت بدر – طباعة المركز الكاثوليكي بعمان.
    ؟؟؟؟

    • Rafi
    • أكتوبر 18th, 2009

    we are all in One who fell our soul and touch the secret of the nature

    • youssef agia
    • أكتوبر 19th, 2009

    مرحبا شيف ابونا، مقال رائع، مقال يسوعي بامتياز، للأسف لدينا غرور يسوعي غريب لا نستطيع الشفاء منه.. لأنك عندما تشرب من النبع لا تستطيع أن ترتوي من الساقية.
    تابع فادي وإلى الأمام بانتظارك في حلب.

    • Caroline
    • أكتوبر 22nd, 2009

    مرحبا فادي
    أنتوني دي ميلو.. هاليسوعي فعلاً عندو جاذبية غريبة.. أنا اتعرفت عليه هالسنة لما كنا عمنشتغل الأجندة السنوية للـ C.V.X منحط فيها تأملات من كتب رياضات لليسوعية.. وكان في كتاب لأشهر صلوات وتأملات اليسوعية وهو كتاب رياضات.. كنت عمبقرا التأملات وحاول رتبون حسب الموضوع والأسابيع الأربعة.. وانتبهت إنو كل الجمل اللي كانت عمتجذبني هيي لأنتونيو دي ميلو.. وانبسطت هل لما كتبت إنت عنو
    بتمنالك التوفيق فادي.. يا مشروع اليسوعي اللي بعدو ما اكتمل
    تحياتي.. وسلامات من حلب

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: