خربشات إسكندرانية

يمكنني القول أنني صرت أؤمن بالحب من النظرة الأولى. فمنذ زيارتي الأولى إلى الإسكندرية في يوم الراحة الأول من رياضتنا الكبيرة، أحسست باني سأحب هذه المدينة، شيء ما في عمارتها، في شوارعها غير المزدحمة كشوارع القاهرة، في هوائها المتوسطي الذي ذكرني بسوريا، أو في سمعتها وتاريخها الذي نعرفه كمدينة عالمية احتوت فيما مضى من الأجانب أكثر من العرب. شيء غريب لا أستطيع تفسيره يجذبني إلى هذه المدينة ويجعلني أوقن أنني سأحبها.

مؤخراً، تمكنت من اغتنام الفرصة وقضاء يومي راحة فيها، والقيام ببضع زيارات كنت أمني نفسي بها منذ مدة. الزيارة الأهم كانت لمكتبتها الشهيرة. وهنا لا يمكنني أن أكتمكم دهشتي لوجود مثل هذا الصرح الحضاري في دولة من دولنا العربية…

alex1
مشهد خلفي لمكتبة الاسكندرية

صحيح أنني اصطدمت في البداية، عند الدخول، بالروتين المعتاد في كل الدوائر الحكومية العربية، إلا أنني سرعان ما نسيت ذلك ما أن دخلت المكتبة ورأيت التنظيم والنظافة الرائعين والأتمتة المتكاملة للمكتية. إذ كان مشهد الغرف الخاصة بمخدمات Servers المكتبة لوحده كفيلاً بإلقاء الرهبة في قلبي.

alex2
قاعات المطالعة والكومبيوتر في المكتبة

عند المدخل طُلب مني إبراز تذكرة الدخول، وهنا كانت المفاجاة الأولى إذ ما من إشارة تدل على أنه ينبغي شراء تذكرة، أضف إلى أنني لم ألمح مكتباً لقطع التذاكر. ثم أتت المفاجأة الثانية حينما قيل لي بأنه ينبغي لي وضع حقيبتي في الأمانات. وعندما فعلت كل ذلك وحاولت الدخول للمرة الثالثة فوجئت بطلب تسجيل حاسبي المحمول (الذي لم يقبل مكتب الأمانات استلامه) في مكتب آخر… المهم في الأمر أن إجراءات ما قبل الدخول استغرقت حوالي نصف الساعة بين قطع التذكرة والأمانات وتسجيل الكومبيوتر وما إلى ذلك، إلا أن الرحلة البيروقراطية انتهت بسلام. لأدخل وأستمتع فيما بعد بركن شادي عبد السلام المخرج ومصمم الديكور الشهير، ومعرض انطباعات عن الاسكندرية بصوره التاريخية الرائعة.

ربما كان من حسن حظي، ومما ساعد على تسلل حب الإسكندرية إلى قلبي، أنني قرأت هذا الصيف روايتين عن الإسكندرية وأهلها منتصف القرن العشرين، “لا أحد ينام في الإسكندرية” لابراهيم عبد المجيد التي تحكي عن معاناة أهل الإسكندرية إبان الحرب العالمية الثانية وما سبق معركة العلمين. و”آخر يهود الإسكندرية” لمعتز فتيحة الذي يروي قصة عائلة يهودية مصرية قبيل النكسة والمحيط الذي كانت تعيش فيه بين العرب مسلمين ومسيحيين والجاليات الأجنبية المتنوعة من يونان وطليان وفرنسيين. الرواية ممتعة بحق رسمت ملامح الإسكندرية ومجتمعها في تلك الفترة، وإن كان يعيبها لغتها العربية الركيكة (لا ألوم المؤلف الذي كان يبلغ بالكاد العشرين من عمره عندما ألف هذه الرواية، وإنما ألوم دار النشر التي لم تسلم مخطوط الرواية لمدقق الغة العربية).  في كل مكان أزوره كنت أحاول اكتشاف المعالم التي رسمها الكاتب في روايته، مجطة الرمل، فندق سيسيل، شارع النبي دانيال، أو علني ألقى ما يشابه الشخصيات التي رسمها…

وعلى سيرة يهود مصر، أشعر وكأنما هنالك نبرة جديدة حيالهم في الشارع المصري هذه الأيام. سواء في الكتب أو الجرائد أو حتى أحاديث الناس. كأنما هنالك رغبة في التصالح مع هذا الماضي. هناك أكثر من إشارة، بالتصريح حيناً وبالتلميح أحياناً إلى أن اليهود المصريين لم يكونوا بهذا السوء الذي نتخيله أو نقلته لنا الأجهزة الرسمية في الفترات السابقة. فابراهيم عبد المجيد مثلاً، يذكر أكثر من مرة في “لا أحد ينام في الإسكندرية” مساهمات كبار التجار اليهود كشيكوريل وعدس وبنزيون وغيرهم في الحياة العامة والأنشطة الإنسانية ودعم المجهود الحربي،واعتزاز أغلب اليهود المصريين ممن لم يهاجروا إلى إسرائيل بمصريتهم. وفي حملة فاروق حسني لرئاسة اليونيسكو برز موقف يهود الإسكندرية في المهجر، المتمايز عن موقف اليهود الآخرين والداعم له بسبب تمثيله لمصر.

المشوار على كورنيش الإسكندرية، هو الآخر له طعم مميز، فالهواء المتوسطي المنعش وحركة الناس جيئة وذهاباً في كل أوقات النهار ومشهد العشاق عند الغروب وهم يبثون البحر لواعجهم/ ما هي إلا تفاصيل تزيد اللوحة جمالاً وألقاً وترد الروح للمتعب. وإن كان يعكر صفاء اللوحة عبارات التهديد والوعيد المنتشرة على الصخور هنا وهنخاك والتي قد أفرد لها مقالة خاصة.

alex3
كورنيش الاسكندرية

باختصار للإسكندرية سحرها الخاص، مذاقها المختلف وحاذبيتها الفريدة. وما من عبارة تحسن التعبير عن الإسكندرية التاريخ سوى تلك التي كتبها نجيب محفوظ في ملحق الأهرام الأسبوعي عام 1996 والموضوعة في أحد معارض المكتبة، واصفاً الإسكندرية في مطلع ومنتصف القرن العشرين:

Alexandria was a european city. Where Italian, French, Greek or English were heard far more than arabic. The city was beautiful, so clean that one could have eaten off the streets. In short, Alexandria was a European city but belonged to us the Egyptians.

Naguib Mahfouz, Ahram Weekly 1996

  1. سأقولها بلا تردد :

    احسدك

    مع ان كلمة “الحسد” تترك بعدها صدى سلبي
    السفر والترحال ( طوعاً ) شغلة رائعة

      • Fadi Hallisso
      • نوفمبر 9th, 2009

      فعلاً السفر يمنح الإنسان آفاقاً أوسع لفكره وخياله وحتى لمعتقداته. هو تجربة رائعة من الجميل أن نعرف كيف نحياها.

  2. أعجبتني هذه التدوينة أيضاً… بورك قلمُك!
    وأرجو أن تعبَّ من الحياةِ ملء رئتيك قبلَ الإقدام على حياتك الجديدة.

    • sr.Hanaa
    • نوفمبر 16th, 2009

    مرحبا فادي كيف حالك
    اعجبتني كثيرا هذة المقالة الرائعة عن مكتبة الاسكندرية وذكرتني بايام المصايف اللي قضيتها في الاسكندرية

    حقيقي مش علشان مصر بلدي ورغم صعوبة الحياة فيها لكن انا بشعر بجمالها وشعبها البسيط المرح. انا سافرت لحوالي خمس دول غير مصر كلهم فيهم الجمال للطبيعة والنظافة واكثر من من عندنا في مصر لكن غير بلدي. واحشتني مصر

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: