يوم مع أطفال الشوارع

لا أتمكن من إيجاد الكلمات الكافية لأقول كم كنت محظوظاً ذاك السبت لتمكني من الانضمام إلى رفاقي في خدمتهم لأطفال الشوارع في مركز كاريتاس. فالساعات القليلة التي أمضيتها برفقة أولئك الأطفال، أشعرتني بفرح كبير.

كان اليوم مفعماً بالحماس والإثارة منذ بدايته. كيف لا، واليوم تقام المباراة المصيرية بين مصر والجزائر لتحديد المتأهل منهما إلى كأس العالم؟ أول ما عمله الأولاد لدى وصولهم إلى المركز، كان التزاحم في طوابير أمام المشرفين للحصول على رسم لعلم مصر على الخدود والجباه مع اسم لاعبهم المفضل، فهذا معجب بعمرو زكي وآخر بأبو تريكة وثالث بزيدان أو متعب. كل واحد له أبطاله الكرويين وبعض الأبطال الحقيقيين من لحم ودم في المركز بعد أن حرمته الحياة من أن يكون له أبطال من عائلته.

لكل واحد علمه الخاص

كنت مندهشاً طوال الوقت للسعادة التي حظي بها هؤلاء الأطفال جراء هذا العمل البسيط الذي لم يقتصر على الصبية وحدهم، لا بل سابقت الفتيات الصبيان في محاولة الحصول على رسومهم المميزة.

حتى جون السوداني يشجع مصر هذا المساء

وأم تريكة!

وهل هناك أطرف من نادية (صاحبة الصورة أعلاه)، التي حاولت مشاكستها:

  • ومالك إنتي بأبو تركة.
  • أمال يا أستاذ أصل هو اللي هيكسب مصر النهارده!
  • طب إنتي بتفهمي بالكورة أصلاً.
  • لاااااااااااه! أنا بعجبك قوي. أصلي بلعب أحسن م العيال دول.

نادية هذه لا تكاد تبلغ السنوات الثمان من عمرها، إلا أن حالها كحال أولئك الأطفال، فهي لا تجد غير الشارع ملاذاً لها مع أخيها الصغير عبد الله، في ظاهرة تعددت أسبابها الاجتماعية والاقتصادية حتى باتت تؤرق الحكومة المصرية بعد أن وصل عدد أطفال الشوارع حسب إحصائية عام 1999 إلى مليوني طفل وطفلة.

للأسف كان معظم الموجودين اليوم من الأطفال صغار السن، فلم أتمكن من هم فوق الرابعة عشرة من عمرهم. إنهم اليوم مشغولون من دون شك، تراهم موزعين على الطرقات لبيع أعلام مصر للسيارات العابرة، وآخرون سيحاولون التوجه إلى الاستاد عل الحظ يسعفهم فيتمكنون من دخوله وبيع المأكولات للمتفرجين. ربما لهذا السبب لم التق بنماذج عنيفة كالتي تظهرها لنا الأفلام  مثل حين ميسرة وغيره، رغم أن اليوم لم يخل من بعض المشاجرات بالأيدي بين الأولاد. إلا أن هؤلاء الصغار ملؤوا قلبي بالفرح والسعادة لبساطتهم وتلقائيتهم، إذ لم ينجح الشارع بعد في إفسادهم بأمراضه. وها هم يتجمعون فوقي لأخذ صورة تذكارية.

أنا مع منتخب مصر!

لم تغب مصر ومباراتها حتى عن رسوماتهم. بدى لوهلة، وكأن الأطفال غير قادرين على التفكير في أي شيء في ما عدى هذه المباراة. فلم تخلو ورقة من الأوراق التي رسموها من علم مصر أو نتيجة المباراة كما يتمنونها، لا بل حتى أسماء وأرقام اللاعبين الذين سيسجلون الأهداف.

المباراة والمعاناة حاضرين في حصة الرسم

صحيح أن الوقت القصير الذي أمضيته معهم لم يسعفني في التعرف عليهم عن قرب أو معرفة قصصهم وحالاتهم، إلا أن بعض الشروحات التي قدموها لرسومهم ألقت الضوء على شيء من معاناتهم. فأحمد يعيش في الشارع منذ ثلاث سنوات إلى أن ضمه المركز إلى مجموعة المبيت، فزوجة أبيه طردته من المنزل بعد أن أنجبت طفلها الأول ولم تعد تسمح له حتى بالقدوم لزيارة أخته الجامعية، تلك الأخت هي الوحيدة في عائلته التي تعطف عليه وتحبه. لذلك فهو مضطر إلى الذهاب إلى الجامعة بين الفينة والأخرى للقائها. فكانت لوحته تظهره ممسكاً يد أخته في الحرم الجامعي.

راعني كم يحتاج هؤلاء الأولاد إلى الحب، إلى الإصغاء وبعض الاهتمام. فسيد، ابن السنوات الخمسة، والذي لا تهدأ حركته ولو لدقائق، فاجأنا بالشرح الذي قدمه للوحة التي رسمها، إنه وحيد في أغلب الأوقات ويعبر عن ذلك بطريقته البسيطة…

  • إيه الصورة دي يا سيد.
  • دا أنا بلعب لوحدي بالكورة في الجنينة.
  • وليه ما خدتش حد معاك؟
  • كلهم في الشغل.
  • وبتعمل إيه بالصورة التانية؟
  • أنا هنا بالبيت بارسم.
  • ومين معاك.
  • مفيش حد ببقا لوحدي على طول.

كل ما تفعلوه لإخوتي الصغار هؤلاء فلي فعلتموه

خربشة على الهامش:

اكتشفت أنه مع أطفال الشوارع تتجلى الوحدة الوطنية حقاً. هنا، في شوارع القاهرة، لا فرق بين مسلم ومسيحي. معاناتهم واحدة تطحنهم وتوحدهم بثقلها.

    • joseoh
    • نوفمبر 21st, 2009

    الانجاب غير الطبيعي الذي تعاني منه بلدانناسيسبب مصائب انسانية اكبر من هذه مستقبلا

    • Camille
    • نوفمبر 21st, 2009

    I really liked this posting. Thanks!

    • sr.Hanaa
    • نوفمبر 22nd, 2009

    اطفال الشوارع يا فادي موجودين في كل مكان وكل بلد بيعش فقر اجمتاعي واقتصادي. انا حاليا بشتغل بعض الاوقات مع اطفال الاحداث الذي جعلهم الدهر مجرمين وهم في الخامسة عشر من عمرهم فلا يقلوا شيا عن اطفال الشوارع . لكن يا فادي دي خبرة حلوة عشتها انت ليوم واحد لكن كم هي صعبة ان ترافقهم وتقوم برعايتهم لوقت طويل فالله وحده يعطي النعمة الخاصة للقيام بهذه الرسالة الله يبارك خطواتك

    • محمد علي
    • يوليو 24th, 2016

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (هذه فكرة مشروع لحل مشكلة المشردين خاصة الاطفال بشكل كامل ان شاء الله والمساهمة في تنمية المجتمع عامة ) لضخامة المشكلة ولعدم توفر الميزانية المطلوبة لدي الدولة والتي ادت برئيس الجمهورية لتاجيل وعده الانتخابي بحلها فأني اقترح هذا الحل التعاوني والغير مجهد وهو الامر الواجب شرعا على الناس جميعا اذا عجزت ميزانية الدولة ولكم ان تسألوا علماء الدين : وهو ان يتعاون المصريون جميعا في الداخل والخارج بالموافقة على توجيه مبلغ محدد من قيمة ودائعهم بالبنوك ومكاتب البريد لصالح عمل وقف نقدي تحت اسم ( وقف الشعب المصري لتنمية المجتمع ) ينفق من ارباحه السنوية فقط على المشروع مما يضمن وضع خطط عمل مستقرة ، وقيمة المبلغ المطلوب هو نصف في المائة فقط تتصاعد الى اثنين في المائة من كل وديعة حسب قيمة الوديعة ، سيجتمع بذلك للوقف حوالي خمسة وعشرين مليار جنيه ارباحها السنوية اثنان ونصف مليار جنيه ستكون كافية ان شاء الله لحل هذه المشكلة وزيادة للمساهمة في غير ذلك من اوجه الخير مثل دعم الوحدات الصحية والمدارس في المناطق المحتاجة والمشاريع متناهية الصغر . والمرجو ان تجد هذه الفكرة القبول لدي عامة الناس وان يرعاها رئيس الجمهورية ، واقترح لنشر الفكرة واقناع الناس بعد موافقة السيد رئيس الجمهورية ان يتم تنظيم متطوعين في كل محافظة للانتشار بين الناس لاقناعهم ولاخذ الموافقات المبدئية . m.a.hosein3@gmail.com

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: