عقدة الشيطان الأكبر

لطالما أثارت هذه العبارة كماً لا حد له من السخرية الداخلية لديّ وأنا أستمع إلى القادة الإيرانيين وهم يشيرون إلى أمريكا. لا أعرف السبب حقاً ولكن لربما يعود الأمر إلى شعوري وقتها بأن في هذه العبارة مقداراً لا بأس فيه من الاستهانة والاستخفاف بالعقول. ولكنني، والحق يقال، بدأت الآن فقط أدرك مدى ذكاء أولئك الأشخاص الذين يروجون لهذا الشعار، لقد اكتشفوا الحاجة الكامنة لدى كل مقهور إلى التنفيس عن غضبه وكبته وحرمانه، اكتشفوا حاجة شعبهم إلى شخصنة مخاوفهم في عدوّ محدد. فكيف إذا كان هذا العدو هو ذلك الآخر المختلف أو بالأحرى النقيض.

مجسم لأمريكا الشيطان الأكبر

هذا ما تمكنت من إدراكه في وقت متأخر للأسف، ومن خلال حدثٍ بالغ التفاهة. فمنذ أسبوع أو أكثر كنت أستقل القطار المتوجه من الجزائر العاصمة إلى قسنطينة. القطار كان شبه فارغ، إذ مضى ثلاثة أيام على انتهاء عطلة عيد الأضحى وقد عاد الجميع إلى أماكن عملهم. لذلك فقد كنت أمني نفسي بالحصول على ثمان ساعات من الصمت والخلوة في هذا الطريق الجميل ذي الطبيعة الجبلية الخلابة. في إحدى المحطات الكثيرة على الطريق، صعد شاب جزائري في العشرينات من عمره ليجلس على المقعد المقابل لي. لم أود في البداية أن أتجاذب الحديث معه أو مع أيّ كان، إذ لم يمض على قدومي سوى يومين وما زلت غير قادر على فهم اللهجة الجزائرية التي سيزداد فهمها صعوبة مع ضجيج القطار، إلا أنه كان من أخذ المبادرة وطرح علي سؤالاً لم أتمكن من الإجابة عليه، إلا أن لهجتي أثناء اعتذاري فضحتني فأدرك أني غريب عن البلد، فسألني باستهجان:

–          مصري؟!

–          لأ، أنا سوري.

–          نحنا نحبو سورية والمسلسلات السورية.

–          كلك ذوق.

الواقع أن الشاب كان ظريفاً للغاية فكان يطلعني من وقتٍ لآخر على أسماء القرى والمناطق التي نمر فيها إلا أن المذهل هو أنه وبعد جملة من المجاملات المتبادلة، لا أعلم كيف حصل ذلك بالتحديد، إلا أن الحديث اتجه فجأة نحو كرة القدم ومباراة السودان بين الجزائر ومصر والأحداث التي رافقتها.

أوه يا إلهي! من جديد! لم أصدق أنني عدت إلى هذا الموضوع ثانية. لقد غادرت مصر إلى سوريا منذ عشرة أيام في إجازتي العائلية، ومازال الناس هناك يتكلمون عن الموضوع. لم أصدق أنني أرحت أعصابي من رؤية مانشيتات الصحف المصرية وهي تتباكى على الكرامة المصرية المهدورة في أم درمان وها أنا ذا من جديد!

مع مرور الوقت والدقائق كان أخونا يتكلم ويتكلم عمّا فعله المصريون بالجزائريين في القاهرة بانفعال شديد مع مزيد من الملح والبهارات في كل مرة. إلى أن وصل به الأمر إلى محاولة إقناعي بأنه كان من ضمن الوفد المكلف بحماية اللاعبين الجزائريين في القاهرة وبأنه شاهد الأحداث بأم عينه (يعني كبيرة شوي مو هيك؟).

بدا لي من خلال حديث الشاب أنه يفضل مصافحة اليهود الأنجاس (على حد تعبيره)، على مصافحة المصريين الذين يستضيفون سفارتهم اللعينة في حين ينكلون بإخوتهم الجزائريين والفلسطينيين.

حقيقة قدرت فيه جهده الشديد في محاولة إقناعي بمدى سوء المصريين للدرجة التي بت أخشى فيها على نفسي فيما لو قلت له أنني عشت في القاهرة ما يزيد على السنة ولم أر من المصريين إلا كلّ خير. كان مقتنعاً بما يقوله تجاه المصريين الأشرار إلى درجة فظيعة. ولم تنفع كل محاولاتي معه أو حتى تظاهري بالنعاس في حمله على تغيير الموضوع الذي كان لا يمل من الاستفاضة فيه للدرجة التي جعلت أتساءل فيها فيما لو كنت سأمضي ساعات الطريق الثمان في سماع هذا الموشح.

اليوم وبعد مرور أكثر من 20 يوماً على تلك المباراة لا تكاد تخلو صفحة من صفحات الجرائد الجزائرية من رصد ردود الأفعال المعادية للجزائر في الجرائد ووسائل الإعلام المصرية والرد عليها بل وكيل الاتهامات المضادة. وكأنما لم يعد لدى الشعبين من مشاكل حياتية سوى هذه القضية. غريب كيف تحول بلدان، يفترض أنهما شقيقان، إلى إخوة أعداء بظرف أيام معدودة. إنه حقاً لأمر محزن، وحزني هذا ليس نابعاً من حسّي العروبي، إذ أكاد أكفر بالعروبة، وإنما من منطلق إنساني. إذ أحزن للغاية لرؤية شعوب بكاملها تنقاد خلف ألاعيب سياسية أو دينية إلى عقدة الشيطان الأكبر، أحزن لإدراكي أننا بحاجة ماسة إلى وجود شيطان، أأكبر كان أم أصغر، لنعبر تجاهه عن حنقنا وغضبنا وإحباطاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

أوه بالمناسبة نسيت أن أقول أن صاحبنا كف عن الكلام المباح بعد ثلاث ساعات بالتمام والكمال بسبب اضطراره للنزول من القطار. وهنا فقط تركت نفسي تستمتع بالمناظر الخلابة وتحلق مع الأيبود الذي حمل لي صوت مارسيل خليفة ينشد لمحمود درويش:

كل قلوب الناس جنسيتي فلتتسقطوا عني جواز السفر

صورة من القطار للطبيعة الجميلة

خربشة على الهامش:

يبدو اليوم أن سويسرا قد تمكنت وبنجاح ساحق باستفتائها الأخير على حظر بناء المآذن، من إزاحة الدانمارك من قائمة المرشحين لاحتلال مركز الشيطان الأكبر.

  1. صديقي لك الحرية في أن تؤمن بما تريد …
    انا لا أرى في أميركا الكيان شيطان أكبر ..ولا أؤمن بخرافة الشياطين …ولكن ما تمارسه أميركا من سياسات يجعلني أشعر بالإحتقار لهذا النظام الذي يحركنا كأحجار على رقعة شطرنج ..ولا أستطيع أن أحترم شعورك بالسخرية مهما كنت الأراء فمن المسيء معاملتها بواقع السخرية والرفض وما إلى هنالك ..
    ومن ثم عندما سنتحدث عما يفعله الجزائريون من تعبئة ضد الشعب المصري وهذا بالتأكيد ينم عن جهل ومحاولات لخلق عدو من لاشيء..لا بد أن نشير إلى ما يمارسه المصريون أيضا …منذ فترة رأيت على عرض إعلاني لأحد الأفلام الحديثة الرديئة كمعظم ما أنتج في مصر في الأونة الاخيرة رأيت على الشريط الإعلاني ما يقول أن الفيلم يعرض في كل الدول العربية إلا الجزائر إن اردنا الحقيقة فكل الحقيقة ويفضل ألا نجتزأ
    تحياتي

      • Fadi Hallisso
      • ديسمبر 16th, 2009

      في البداية شكراُ لتعليقك، لكنني أود أن ألفت انتباهك إلى أمرين:
      الأول: أنا لم أهدف إلى تبرئة أمريكا من عنجهيتها، وإنما انتقدت فكرة تصويرها كشيطان ومصدر كل الشرور في العالم.

      الأمر الثاني أنني لم أجتزأ الحقيقة ولم أود أن أظهر وكأن الجزائريين هم المسؤولين عما يحدث على الإطلاق ولكن لربما فاتتك عبارتي عن الصحف المصرية التي تتباكى على الكرامة المصرية المهدورة. الحكومتان مخطئتان وتفلت العقال للغرائز لتحرك وتنتقم.

      • لربما فاتتني …وعلى هذا اعتذر…
        في البدء كنت أظن بأن القضية عبارة عن لا مهنية في التعاطي مع القضايا من قبل الإعلاميين ..
        ولكن الأن أؤمن بأنها لعبة سياسية قذرة
        فتحياتي

  2. مصري – جزائري
    هو بدأ ، هو اللي سبب
    في الاخير نحن أخوة متماسكة واحدة سواء اعجبهم ذلك ام لا
    لا تعليق لي في الحقيقة بالنسبة للمباراة

    ولكن بالنسبة لصعودك للقطار ^^
    فهو امر جميل حقيقة يزيد ثقتك بنفسك🙂
    شكرا لك ع الطرح

    • فاضل
    • سبتمبر 17th, 2010

    اول مرة ادخل الى هذا الموقع واعجبت بالمقالات فيه جدا جداوخصوصا موضوع الفوتبول الجزائري- المصري (من موضوع انساني) فعلا نحن العرب لم ولن نستحي

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: