خربشات من الجزائر – عيون الطفل

إنها العطلة المدرسية في الجزائر الآن (وقت كتابتي لهذه التدوينة). جميع المدارس والجامعات في عطلة لمدة خمسة عشر يوماً تنتهي في الثالث من كانون الثاني – يناير. فهل من مناسبة أفضل من هذه للقيام برحلة إلى الجنوب الجزائري والتعرف عليه؟

الواقع أننا لن نقصد جنوب الجزائر تماماً، صحيح أننا سنجتاز أكثر من 500 كيلومتر من قسنطينة باتجاه الجنوب للوصول إلى توغورت ولكنك لو أمعنت النظر في الخارطة فستجد أنك ما زلت أقرب بكثير للساحل منك إلى الحدود الجنوبية.

خارطة للثلث الأول (العلوي) من الجزائر

كانت الرحلة ممتعة جداً، متعبة بعض الشيء وخصوصاً من ناحية ازدحام الطريق في الساعات الثلاث الأول،  إلا أنها كانت بالفعل في غاية الجمال على مدى الـ 511 كم التي اجتزناها. أدهشني ذلك التحول في الطبيعة من الجبال الشاهقة حول قسنطينة ومن ثم المراعي الخضراء التي تمتد على مرمى البصر فالبادية الجرداء التي تخترقها واحات النخيل الرائعة، وأخيراً الصحراء الرملية بكثبانها التي أشاهدها للمرة الأولى في حياتي.

الجبال والمراعي الخضراء...

ومن بعدها كثبان الصحراء

حتى شاخصات التحذير من الحيوانات الشاردة تغيرت مع تغير المناطق: في البداية كان التحذير من الأبقار في مناطق المراعي، ومع انتقالنا إلى البادية تحولت إلى التحذير من الأغنام فالجمال في الصحراء والخنازير البرية بين غابات النخيل.

في البداية أثارت الشاخصات المحذرة من الجمال ضحكي، إذ لم أعتقد ولو للحظة أن الجمال كثيرة إلى الدرجة التي نلتقي بها على الطريق، أفلا يحتفظ بها مربوها في أماكن معينة؟ إلا أنه وما أن حل الظلام حتى كدت أدفع ثمن استهتاري بواضعي هذه اللوحات، فإذ بي أفاجأ بجمل يحاول اجتياز الطريق بقربي تقريباً، ولولا أضواء السيارة الكاشفة لربما كنت صدمته (الله ستر ولطف)…

الرحلة التي تستغرق 6 ساعات في العادة، اجتزناها في ثمان ساعات ونصف، إذ لم أتمكن من المرور مرور الكرام أمام المشاهد الطبيعية الرائعة، بل كان لا بد لنا من التوقف أكثر من مرة لتأمل هذا الجمال والتقاط بعض الصور. ولعل أجمل هذه الوقفات كانت قرب قرية القنطرة في ذلك الفالق الجبلي والجدول المنساب بينه بصوته الهادر وصداه الذي ترجعه الصخور الجبلية الحمراء.

جسر القنطرة

إنه مشهد جميل، استوقفني أكثر من ساعة وأنا أتنقل هنا وهناك لالتقاط الصور (رغم الهواء البارد الذي نخر عظامي). هناك على الجسر الحجري مثلاً وجدت لوحة تذكارية تذكر أنه تم ترميمه من قبل الوحدة الهندسية بجيش نابوليون الثالث عام 1852. طبعاً كانت هذه مفاجأة مزدوجة فمن جهة أن تجد جسراً بهذه المتانة بعد مضي كثر من 150 سنة.، ومن جهة ثانية بدأت أدرك هنا وهناك سبب إصرار فرنسا لمدة طويلة على الاحتفاظ بالجزائر…

كان الطريق في البداية متعباً شديد الازدحام وخصوصاً بسيارات الشحن الثقيل، عدا عن حواجز الأمن والشرطة على مداخل ومخارج المدن والبلدات (وهذا يمكن فهمه لأنه من مخلفات سنوات الإرهاب). ناهيك عن الأشغال التي لا تتوقف على طول الطريق. ولكنه بعد ذلك تحول مع الفضاء اللانهائي الممتد أمامنا إلى نوع من لحن سمائي صامت يدعو إلى الخشوع.

بدا لي وكأن البلد بأكمله عبارة عن ورشة لا تتوقف، فالكل يعمل كخلية نحل، لا نجتاز مئة  كيلومتر دون أن يكون هناك أعمال في توسيع الطرق أو إعادة تأهيلها وشبكات السكك الحديدية التي خلفها الفرنسيون. والواقع أن أحد الأصدقاء الجزائريين عبر لي عن حال بلاده بكلمات بليغة:

عاشت بلدنا ثلاثين عاماً من السبات بعد الاستقلال، ففي حين كانت الدول المجاورة تحسن اقتصادياتها عانينا من التجربة الاشتراكية الفاشلة ومن ثم جاءت سنوات الإرهاب السوداء. علينا الآن أن نسابق الزمن.

وبالفعل، يبدو وكأن الجزائر تسابق الزمن، ففي شرق البلاد يعمل اليابانيون على إنجاز الطرق السريعة وفي غربها الصينيون الذين وصلت أعدادهم بحسب البعض إلى 30 ألف عامل، وفي سكيكدة يعمل الكروات على تطوير المرفأ وفي حاسي مسعود عشرات الشركات الأجنبية النفطية…

في صحراء الجزائر أكتشف كم أن أفكارنا المسبقة عن الصحراء خاطئة. وأنها ليست أراض جرداء مقفرة كما نظن. هنا أكتشف ذكاء الإنسان الصحراوي في التعامل مع ظروف الطبيعة القاسية. وأحد هذه الاكتشافات هي غابات النخيل المزروعة في وسط الصحراء.

نموذج مصغر من مزارع النخيل في قلب الصحراء

شرح لي أحدهم أن مثل هذه الغابات كانت مشروعاً عائلياً، تقوم كل عائلة بعمل غابتها أو مزرعتها الخاصة. فيعمل شبان العائلة على إنجاز حفر عميقة في الصحراء في المواقع التي يعتقد بوجود مياه جوفية فيها، بالوسائل البدائية المتوافرة آنذاك وهو الأمر الذي كان يستغرق شهوراً، وما أن يصل العمل إلى عمق فيه ما يكفي من الرطوبة حتى تزرع عشرات الأشجار من النخيل التي تجتذب الرطوبة الجوفية. ويقام حولها سور مرتفع من سعف النخل الجافة لوقف زحف الرمال.

لا تزرع أشجار النخيل بشكل عشوائي وإنما على شكل ثلاث صفوف دائرية متفاوتة الارتفاع أعلى فأخفض فأخفض، بحيث تشكل عند نموها مظلة توفر الظل للواحة الجديدة، لتزرع فيما بعد في أماكن الظل هذه مختلف أنواع الخضار والفاكهة التي لا تتحمل شمس الصحراء المباشرة!

وهكذا بعد سنين من العمل الدؤوب والمتواصل والمنهك وانتظار نمو أشجار النخيل، تحصل العائلة على مزرعتها الخاصة التي توفر لها جزءاً من احتياجاتها…

في الصحراء أيضاً تظهر آثار التغيرات المناخية بشكل أوضح من أي مكان آخر… فسكان الصحراء الذين لم يعتادوا على الأمطار الغزيرة كانوا يبنون بيوتهم من الطين دونما خلط مع التبن أو تسخين في الأفران الحرارية كما اعتاد أن يفعل سكان الأرياف في بلادنا، فما من مطر يخشونه. ولكن مع التغيرات المناخية في العشرين عاماً الماضية حصل أمر غير متوقع، إذ بدؤوا يعرفون نوعاً من الهطولات المطرية الكثيفة وغير المسبوقة والتي أذابت بيوتهم بكل ما تحمله الكلمة  من معنى.

أطلال مدينة تماسين القديمة التي أذابتها الأمطار

هذا ما حصل في مدينة تماسين التي زرت أنقاض مدينتها القديمة المهجورة والتي أذابتها الأمطار والتي اضطر سكانها إلى الانتقال إلى مساكن بيتونية تقاوم المطر ولكنها لا تقاوم الحر.

إنها تجربة أتعلم منها الكثير. وأتمنى أن تتاح لي الفرصة لأحكي جزءاً منه.

  1. تتهنا

    مشوار حلو شكلو

      • Fadi Hallisso
      • يناير 4th, 2010

      شكراً لكٍ، فعلاً المشوار رائع بالصحراء.

    • نور تشتيش
    • يناير 3rd, 2010

    والله شي بجنن يا أفود شهيتنا… على روحة عالجزائر … انشاء الله مخيم الشيفية الجاية يكون بالجزائر.. هاها…

    أحلى الشي شاخصات الجمال.. هاها

    • joseph
    • يناير 4th, 2010

    كل عام وانت بخير ابو الفاد.انبسطنا كتير شفناك هالكام يوم.لكن دائما اكتشف فيك شيء جديد فمن خلال هذه المقالة اكتشفت جزالة ومتانةوعذوبة في لغتك العربية لم اكن اعرفهامما جعل المقالة غاية في الجمال بالتوفيق دائما.

    • Camille
    • يناير 4th, 2010

    Beautiful writeup, wish you a Happy New Year Fadi!

      • Fadi Hallisso
      • يناير 4th, 2010

      Thanks. I which the same for you and your family. 

    • youssef agia
    • يناير 8th, 2010

    كل سنة وأنت سالم
    أشكر لك كتاباتك الدائمة لأنها تجعلنا نضطلع على أمور جديدة وافكار بعيدة عن تفكيرينا، تساعدنا نوعاً ما في العودة إلى يسوعيتنا.
    اشكر مقالتك هذه بالذات، لقد تميزت بأسلوب سردي وصفي رائع يمتاز ببعض تعليقات أعرف كاتبها حق المعرفة.
    على أمل أن نراك قريباً، إلى الأمام.

  2. موضوع رائع شكرا لك و لكن تمنيت لو كنت زرت ولاية سوق أهلراس أيالشرق الجزائري و الـــله رائعة

  3. شكرا لك على هدا اموضوع ولكن هل اعجبتك تماسين وانا اسكن فيها

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: