بين آغورا وعزازيل أين الحلقة المفقودة؟

لفتت انتباهي منذ مدة طويلة تدوينة عن فيلم آغورا في مدونة DotMovie للمدون المميّز رامي الشيخ. وهو كان قد أرفق تدوينته مشكوراً، بوصلات التورنت لتحميل الفيلم وملفات الترجمة. حمّلت الفيلم على أمل مشاهدته، الأمر الذي لم أتمكن من القيام به سوى الأسبوع الماضي بصحبة عدد من الأصدقاء.

لا أخفيكم سراً أن سبب حماستي لرؤية الفيلم كان معرفتي المسبقة بالموضوع الذي يتناوله، وهو ذاته الذي تعرضت له رواية عزازيل للكاتب المصري يوسف زيدان، قصة مقتل الفيلسوفة هيباتيا في الإسكندرية في القرن الرابع الميلادي.

عن أي فيلم أتحدث؟

الفيلم كما سبق وذكرت يدعى Agora من إنتاج إسباني برتغالي مشترك لعام 2009، إخراج وتأليف الإسباني أليخاندرو آمينابار وبطولة البريطانية راشيل وايز. عرض في أوروبا في نهاية الموسم السينمائي للعام 2009 ولم يعرض في امريكا سوى في أيار الماضي.

الفيلم من الناحية الفنية جميل بحق، فالديكور والملابس قد لقيا من العناية ما يلفت النظر ويساعد المشاهد  على عيش أجواء تلك المرحلة دونما عناء، كما أن أداء الممثلين وخاصة البطلة راشل وايز يستحق التقدير. إلا أنّه من الناحية الفكرية/التاريخية مخيب للأمل إلى حد كبير لأنه تبنى وجهة نظر أحادية الجانب منذ بدايته وحتى النهاية وهي محاولة إثبات دموية المسيحيين. ولعل الملصق الإعلاني التالي (واحد من عدة استعملت للترويج للفيلم) يكشف عن بعض غايات الكامنة وراءه…

الصليب الملطخ بالدم... رسالة خفية؟

أجندة المؤلف/المخرج

بعيداً عن إطار نظرية المؤامرة، إلا أنه ما من شك لديّ بأن الفيلم يندرج في إطار الموجة المعادية للمسيحية والرائجة بشدة في أوروبا هذه الأيام، أو لنقل المعادية للدين بشكل عام. فقد جهُد صنّاع الفيلم في محاولة إظهار أن بذرة العنف موجودة في كل الديانات المتواجدة في الإسكندرية في تلك الفترة (المسيحية واليهودية والوثنية على حد سواء) ووحدهم اللادينيون (دعاة العلم والفلسفة) هم حمائم السلام! يظهر ذلك بوضوح في مشهد النزاع بين طلاب هيباتيا المسيحيين والوثنيين حين تتدخل هي لتذكيرهم بأنهم أخوة في العلم.

who_was_hypatia_1

هكذا تفهم الفكرة العامة للفيلم كأنها نوع من تمجيد الإلحاد حيث لا يخفي مخرجه أليخاندرو آمينابار آراءه بهذا الخصوص، هو الذي يعلن إلحاده رغم اعترافه بأنه ولد ونشأ في كنف عائلة مسيحية إسبانية. ومن هذا المنطلق يمكن فهم الترحيب الحار الذي لقيه الفيلم في الأوساط العلمانية المعادية للكنيسة في أوروبا (يمكن لأخذ فكرة عن ذلك إجراء بحث بسيط على الإنترنت عن المراجعات النقدية للفيلم).

أعتقد بأنه من الواضح لدرجة الفجاجة، أن آمينابار -المخرج والمؤلف- حاول فرض وجهة نظره على المتفرجين، من خلال إقحام فكرة اقتران الدين بالعنف منذ المشاهد الأولى وحتى النهاية. لا بل لم يكتف بذلك بل جهد لإظهار البابا (البطريرك) كيرلس، أو كيرلس السكندري كما يعرّفه تقليد الكنيسة بصورة الجزار، والجماعة المسيحية في الإسكندرية، عبارة عن عصبة من الرعاع التي تعتاش على العنف وإراقة الدماء. لا بل أن الفيلم لم يحتوِ، ولو مرة واحدة، على صورة إيجابية عنهم مما يدفعك للتساؤل عما جذب الناس إلى هذه الديانة الجديدة!

ما من شك في أن الفيلم احتوى على الكثير من الوقائع التاريخية الصحيحة، إلا أنه احتوى على العديد من المغالطات في الوقت ذاته. وهنا الفخ الذي تقع فيه مثل هذه الأنواع من الأعمال الفنية-التاريخية سواء آغورا، عزازيل أو دافنتشي كود. عندما يخلط الواقع مع الخيال أو مع وجهة النظر- البروباغاندا الشخصية للمبدع صاحب العمل الفني، بحيث تصبح هذه الأعمال نوعاً من التأريخ الجديد لشريحة واسعة من الناس قلية الإطلاع والتي تقبل بالوقائع التي تحتويها هذه الأعمال دونما نقاش.

ما الذي يقوله التاريخ عن تلك الفترة؟

نعلم أنه في السنة 313 وبعد اعتناقه المسيحية بتأثير من والدته “هيلانة”، أصدر الإمبراطور الروماني قسطنطين،  مرسوم ميلانو الذي سمح بحرية المعتقد على أراضي الإمبراطورية الرومانية. فانتقلت المسيحية من السرية إلى العلنية. وبعد أن كان المسيحيون مضطهدين طوال قرنين ونصف من الزمن، أصبحت المسيحية الدين شبه الرسمي للامبراطورية فدخلها الكثيرون عن اقتناع وآخرون لتسلق السلم السياسي والوظيفي – الحاكم أوريستس على سبيل المثال.

هذه النقلة ترافقت حيناً بمشاعر الشكر والامتنان وفي أحيان أخرى بمشاعر البغض والرغبة في الانتقام عن سنوات طويلة من الاضطهاد. وبالتالي فالعنف الذي مارسه آنذاك بعض المسيحيين ضد الوثنيين واليهود مفهوم وإن كان غير مبرر. ومن ناحية أخرى لم تقصر باقي الأطراف بدورها في أعمال الاستفزاز والتهييج. ولعل ذلك كان واضحاً في مشهد التحدي في الآغورا بين الوثنيين والرهبان.

بعض المغالطات التاريخية

1- يبدو أن مؤلفي عزازيل وآغورا على حد سواء، يستمدان معلوماتهما التاريخية من مصدر واحد هو كتاب “التاريخ الكنسي Historia Ecclesiastica لمؤلفه سقراط الدارس Socrates Scholasticus. وcyril-alex_4x6من المعروف أن هذا الأخير كان ينتمي لجماعة مسيحية منشقة Novatianism صاحبة هرطقة حاربها كيرلس  الإسكندري بشدة. حيث يصر أتباع هذا المذهب بعدم قبول عودة المسيحيين الذين أنكروا إيمانهم بسبب الاضطهاد إلى الجماعة المسيحية، وأن توبتهم غير مقبولة. ومن هنا يمكن فهم سبب تصوير هذا المؤرخ للبابا كيرلس بالشكل الذي يظهر عليه في كلا العملين.

فبالرغم من أن الكثيرين يجمعون على أن كيرلس الكبير كان من الأساقفة المتشددين، إلا أنه ما من شك أنه كان لاهوتياً عظيماً أثرى الكنيسة بمؤلفاته عن الثالوث وغيرها من العقائد المسيحية. والسخرية التي وردت في نهاية الفيلم من حيث أن رجلاً عنيفاً وقاتلاً (كما صوره الفيلم) تعتبره الكنيسة قديساً ودكتوراً غير لائق على الإطلاق ويعكس من جديد رغبة المؤلف في فرض وجهة نظره وإيصال رسالة معينة.

2- أظهر الفيلم في مشهد حرق المسيحيين لمكتبة الإسكندرية وكأن المسيحيين أعداء للعلم والفلسفة والمنطق. وفي هذا مفالطتان. الأولى أن مكتبة الإسكندرية فقدت أهميتها العلمية قبل ذلك التاريخ بكثير مع دخول يوليوس قيصر إلى مصر، وكانت مخطوطاتها المهمة تباع  مذاك في مدن أوروبا.

3- والمغالطة الثانية هي أن العارف بشؤون الجماعات المسيحية في تلك الفترة يدرك أنه كان من بينهم العديد من العلماء والفلاسفة، لا بل أن كتابات كيرلس الكبير نفسه، كتاب “ضد جوليان” على سبيل المثال، تدل على أنه دارس للفلسفة وعلى إطلاع على أعمال الفلاسفة اليونان مثل أرسطو وأفلاطون وأفلوطين.

4- لم يستعمل المسيحيون يوماً المعجزات لتحدي أتباع الديانات الأخرى وإظهار أن إلههم هو الإله الحقيقي، هذا المنطق ليس من المسيحية في شيء. لذلك يبدو مشهد أمونيوس السائر في النار وسط الآغورا سخيفاً وخارجاً عن السياق.

5- يحاول المخرج أن يوحي بأن كيرلس استولى بنفسه على الأسقفية من خاله تيوفيلوس بأن تقلد خاتم الأسقفية. وهنا من المفيد الذكر أن الأساقفة يعينون بالانتخاب وبتقليد وضع الأيدي من قبل أساقفة آخرين. ولا يمكن لأحد مهما علا شأنه أن يقلد نفسه مثل هذا المنصب. هذا Hypatia_(1900_Playعدا عن أن تقليد خاتم الأسقفية لم يكن قد ظهر بعد في ذلك الوقت.

6- بالرغم من إغراء أسطورة المرأة الفاتنة والجذابة التي تستثير الشهوة والرغبة في الدم لدى رجال الدين والسلطة، فإنه لا يمكن لهيباتيا المولودة عام  365 م أن تكون في ذلك الشباب والفتنة الذين حاول الفيلم التركيز عليهما، إذ أنها كانت على الأغلب في حوالي الخمسين من عمرها لدى تقلد كيرلس للسدة الأسقفية وهذا سن متقدم لرجال ونساء ذلك الزمان على حد سواء.

7- وأخيراً تجدر الإشارة إلى أنه فيما يلمح الفيلم ورواية عزازيل إلى دور مباشر أو غير مباشر لكيرلس الإسكندري في مقتل الفيلسوفة هيباتيا. إلا أنه لا يعقل فيما لو كان ذلك صحيحاً أن يمر مرور الكرام إبان الخلاف اللاهوتي الكبير مع نسطوريوس الذي لم يشر ولو مرة واحدة إلى دور مماثل لكيرلس في مجادلاته معه.

تدوينات أخرى عن الفيلم:

وساوس عزازيل

آجورا ووعاظ العنف

  1. مشـكور اخـي الكريم موضوعك رائع بالفعل تستآهل احلي تقييم
    بالتوفيق دائما

  2. مرحبا فادي… كيفك؟
    الحقيقة الموضوع كتير شدني لأنو أنا من أسبوعين انتهيت من قراءة رواية عزازيل، بس بالصدفة كنت شايفة فيلم آغورا قبل ما إقرا الرواية..
    أول ما شفت الفيلم كان عندي ردة فعل سلبية تجاهو.. أو بالأحرى تجاه صورة المسيحيين اللي صورها المخرج بالفيلم. انتابني شعور برفض الطريقة اللي انتشرت فيها المسيحية بالاسكندرية، بعد ما شفت الفيل بأسبوع وبالصدفة كمان استعرت عزازيل من المكتبة الروحية.. واندهشت لما عرفت إنو الرواية والفيلم عميحكوا عن نفس الفترة وتقريباً عن نفس الموضوع.
    لما انتهيت من قراية الرواية كان في شعور غير مريح عمحس فيه.. حاسة بشي من الغش والمبالغة بعرض كل مادة من هالمادتين على الرغم إنو الفيلم إخراج أوروبي والرواية تأليف عربي مسلم.. بس حسيت إنو في شي موجه بقصد من المؤلفين ولو كانوا غير متفقين
    بحب أشكرك كتير فادي على هالتوضيح لأنو أنا ما بعرف الخلفيات التاريخية للفترة الزمنية هداك الوقت ..
    ميرسي كتير مرة تانية
    وإلى الأمام.. على قولة فرانس :):):)

    • Fadi Hallisso
    • يونيو 27th, 2010

    هلا بكارولين وأنا بانتظار أقرالك شي جديد كمان صرلك زمان قاطعتينا.

  3. دردشة مصريه

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: