ملاك غروزني… شهادات حيّة من حرب الشيشان

الكتاب الأول الذي قرأته بعد غزوة معرض بيروت للكتاب، لم يكن من الكتب التي اشتريتangel of groznyها لنفسي. بل كان أحد الكتب التي أوصاني أخي بشرائها له. وهو بعنوان “ملاك غروزني” للصحفية النرويجية آسني سييرستاد.

لأخي اختيارات غريبة. لا أعرف كيف سمع بهذا الكتاب فطلب مني شراءه. لكن العنوان أثار فضولي. غروزني والشيشان… أماكن مرت فترة من الزمن لم أسمع بها في نشرات الأخبار. لا بل أن ما بقي في ذاكرتي من أحداث الشيشان مبهم وغير واضح. لذا أنكببت على قراءة الكتاب علنّي أعرف المزيد.

الكاتبة صحفية نرويجية عاشت في روسيا كمراسلة أجنبية مبتدئة إبان حرب الشيشان الأولى عام 1994 فسافرت إلى هناك أكثر من مرة لتغطية أخبار الحرب “حرب الشيشان الأولى” التي شنها يلتسين على الشيشان.

من خلال السطور يمكن أن يلحظ القارئ بشيء من الأسى تلميحات الكاتبة، المباشرة حيناً وغير المباشرة أحياناً، إلى التغيّرات التي حصلت في روسيا بين  عهدي يلتسين وبوتين. ففي حين تمتع الصحفيون الأجانب أثناء الحرب الأولى بحرية التنقل والذهاب إلى الشيشان لتغطية أخبار الحرب. وكذلك

تمتعت القنوات الروسية الخاصة الناشئة  بهامش  ما من الحرية سمح لها بنقل بعض مصائب تلك الحرب العبثية، إلا أن الأمور تغيرت تماماً في عهد فلاديمير بوتين القادم من دهاليز المخابرات. فخلال  الحرب الثانية التي شنها بوتين عام 1999، بل وحتى بعد أن وضعت أوزارها، أصبح محظراً على الصحفيين الأجانب الذهاب إلى الشيشان دون مرافقة رسمية، وحظر عليهم زيارة الأماكن التي لا  تسمح الحكومة الروسية بزيارتها. مما اضطر الكاتبة إلى التسلل خفية عامي 2006 و2007 إلى الشيشان لتتمكن من جمع معظم مادة  كتابها بعيداً عن أعين السلطات.

الكتاب غني جداً سواء بالمعلومات عن الشيشان المجهولة تماماً بالنسبة لي، أو بالشهادات الحية من ضحايا الحرب. والواقع أن الكتاب يتميّز  بالموضوعية من هذه الناحية، ويا ليت كتابنا العرب يتعلمون شيئاً من هذه الموضوعية. فالضحايا بالنسبة للكاتبة ليسوا فقط من شعب الشيشان، وإنما من الشعب الروسي أيضاً الذي قتل ما يزيد على الـ 15 ألفاً من أبنائه في هذه الحرب. لهذا فهي تخصص جزءاً مهماً من كتابها لأيتام الحرب في الشيشان، للعائلات التي قتل أبناؤها أو اختفوا. وكذلك تخصص جزءاً لمشوهي الحرب من الجنود الروس، والشباب الروسي الذي تلاحقه تهم العنصرية تجاه الشيشانيين. رسالة الكتاب باختصار هي توضيح معاناة الناس من الحروب على اختلاف انتماءاتهم الإثنية أو العرقية.

جانب مهم من موضوعية الكتاب يكمن في الانتقاد القاسي الذي يوجهه للنظام الروسي واللعبة القذرة التي لعبها من خلال اجتذابه لأحد زعماء المقاومة في الحرب الأولى “أحمد قديروف” إلى صفه وتسليمه زمام الأمور في الشيشان. وعندما حاول أن يأخذ حجماً أكبر من حجمه قام الروس بتصفيته وتنصيب ابنه الشاب “رمزان قديروف” مكانه. وتحويله إلى ديكتاتور محلي متسلط على أبناء قومه، له سجونه الخاصة وشرطته السرية الخاصة التي تمارس الخطف والتعذيب لكل من يمثل اتحاهاً مخالفاً للرئيس قديروف وبوتين او له علاقة بالمتمردين. فتحول الصراع بذلك من صراع روسي – شيشاني إلى شيشاني – شيشاني.

Ramzan-Kadyrov_1699859a

رمزان قديروف الرئيس الشيشاني - الصورة من صحيفة التيلغراف البريطانية

قديروف بدوره يبدو أنه يلعب اللعبة بشكل صحيح، ويعرف كيف يجامل أسياده في روسيا. فها هي صحيفة التلغراف البريطانية تنشر منذ أيام فقط تقريراً عنه إثر مطالبته بإلغاء لقب الرئيس الذي يحمله إذ يعتبر أن رأس الدولة الروسية فقط هو من يحق له حمل لقب رئيس!!!

محنة شعب الشيشان لم تبدأ مؤخراً، وإنما هي قديمة وترجع إلى عهود الأباطرة الروس الذين أرادوا بسط سيطرتهم على هذه البقعة الصغيرة والجميلة من القوقار. لا بل أن ستالين اشتهر بأنه قام عام  1944 بأكبر عملية تهجير جماعي في التاريخ حين رحل ألمان الفولغا وشعب الكراتشي والقوقازيين من الأنغوش ومواطني الشيشان جميعاً إلى كازاخستان. وذلك قبيل الاجتياح الألماني في الحرب العالمية  الثانية خوفاً من تعاونهم مع الألمان ضد الاتحاد السوفياتي. وهناك تركوا ليعانوا من ظروف لا إنسانية أدت إلى وفاة أعداد كبيرة منهم. قبل أن يعود خروتشوف ويصدر عفواً عنهم ويسمح لهم بالعودة إلى أرضهم.

في الكتاب كذلك نظرة موضوعية إلى موضوع التطرف الإسلامي الذي وصل إلى الشيشان، والدور الذي لعبته دول الشرق الأوسط في تغذيته. ففي حين كانت الحاجة ماسة بعد الحرب الأولى إلى إعادة بناء البنية التحتية المنهارة، من مدارس ومشاف ومؤسسات حكومية، انصبت أموال الخليج في اتحاه واحد هو بتاء المساجد والمدارس الدينية التي غذت التطرف، الأمر الذي كان بعيداً كل البعد عن الشيشانيين ذوي الاتجاه التصوفي! وفي هذا الإطار توجه الكاتبة انتقادات لاذعة إلى الرئيس قديروف الذي يسعى إلى أسلمة المجتمع الشيشاني بالكامل وفرض الحجاب بالقوة على النساء الشيشانيات في حين ينصرف هو إلى إشباع رغباته وغرائزه الجنسية، ويعيش نمط حياة مترف ومفرط في البذخ على حساب شعبه الفقير والمستنزف بعد حربين طاحنتين.

في الختام يمكن القول أن الكتاب جميل ويستحق القراءة وإن عابته الإطالة في بعض الأماكن، فهو يلقي أضواء من وجهة نظر محايدة على تلك المنطقة التي لا نعرف عنها الكثير، وإن غلب عليها في كثير من الأحيان التعاطف مع محنة الشيشانيين وهذا أمر مفهوم تماماً على اعتبار أنهم الضحية الأساسية لما جرى ويجري إلى اليوم.

بيبليوغرافيا:

سييرستاد (آسني)، ملاك غروزني: بارقة أمل في ظلمة الشيشان، ترجمة أفنان سعد الدين، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، بيروت، 2009.

    • Firas
    • ديسمبر 28th, 2010

    شكراً على هذه المشاركة الجميلة وبانتظارك انت قريباً… على فكرة الدار العربية للعلوم هي ربما من أفضل الدور التي تنشر روايات مترجمة من اللغات الحية…. شكراً مرة ثانية

    • haitham
    • ديسمبر 28th, 2010

    شكرا ً للعرض
    قرأت الكتاب و أنصح الجميع به.

    • firasoo
    • فبراير 21st, 2011

    أطماع روسيا في هذه المنطقة ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تكاد تكون الشيء الثابت الوحيد الذي أجمع عليه كل من حكم هذا البلد من أيام بطرس وكاترينا وصولاً لحقبة ستالين وعميله بيريا، وحتى بعد انهيار الاتحاد واستلام يلتسن ومن بعده بوتن للسلطة.
    الحرب لم تفض إلى تلك النتيجة لولا تمكن الروس من اغتيال جوهر دوداييف في الـ96، هذا الاغتيال الذي حدث بتواطىء أميركي هو ما سهل طريق الروس للوصول إلى مبتغاهم ، وهو المسبب الرئيسي في امتداد ظاهرة أولئك ” الأفغان العرب ” الذي استغلوا فترة الفراغ التي عاشتها المنطقة ليحولوا صراع عمره يفوق المئة وخمسين عاماً إلى حرب دينية!!الروس لم يغتالوا عميلهم قاديروف كما هو مذكور،لن يقوم أحد بإطلاق النار على كلبه طالما أنه يستطيع القيام بالحراسة على أكمل وجه ، قاديروف دفع حياته ثمناً لكونه دمية للروس ما أجبره على وضع نفسه موضع مواجهة مع تلك الجماعات الأصولية.

    • mejri brahim
    • فبراير 15th, 2012

    حتى نفهم اسنى سييرستاد انصح بقراءة كتاب بائع الكتب في كابول و سثرون كيف ثشيطن كل من خالفها 

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: