نجنا يا سيّد- تأمّل في سرّ الصمت الإلهي

كتبت هذه التدوينة منذ حوالى الشهر والنصف ولا أعرف السبب الذي جعلني أعزف عن نشرها. إلا أنها تبدو مناسبة للنشر اليوم مثل كل يوم في الأشهر الستة الماضية.

كنتُ محظوظاً إذ وعظ رياضتنا الروحية الأخيرة يسوعيّ يعمل في روسيا، وهو روى لنا قبل بدئها قصّة مؤثرة عن إحدى العجائز- الجدات (بابوشكا)، ممن يسمونهن هناك ببطلات الإيمان. إنهن من القلّة القليلة الباقية على قيد الحياة من مؤمني الكنيسة الكاثوليكية، أولئك الذين عايشوا الاضطهاد الشيوعي الذي هدف إلى إرغامهم على جحد إيمانهم، إلا أنهم حافظوا عليه حيّاً رغم ذلك، وتجاوزوا الحقبة الشيوعية بل تمكّنوا من نقل إيمانهم إلى أولادهم وأحفادهم من بعدهم وإعادة إحياء الكنيسة الكاثوليكية الصغيرة هناك.

السيّدة التي أخبرنا عنها الكاهن هي من ألمان الفولغا الذين نفاهم ستالين إلى سيبيريا أثناء الحرب العالمية الثانية، لأنه شكّ في إمكانية تعاونهم مع النازيين أثناء الحرب (كتبت في تدوينة سابقة عن معاناة مماثلة للشعب الشيشاني). معاناة هؤلاء إذاً اتخذت أكثر من بعد، فهي معاناة قومية إذ وجدوا نفسهم ممن بين الأقليات المضطهدة في الاتحاد السوفياتي، معاناة وطن وأرض، إذ انتزعوا من أراضيهم ليتمّ وضعهم في مكان لا تتوفر فيه أدنى شروط الحياة، الأمر الذي أدى إلى وفاة أعداد كبيرة منهم في السنين الأولى للنزوح، ومعاناة دينية، إذ أصر الشيوعيون على انتزاع أي أثر للتدين من قلوب مواطنيهم السوفيات

وعقولهم، وإحلال الثقافة الشيوعية مكانها. فكان كلّ من يجاهر بإيمانه معرّضاً لأقصى أنواع الاضطهاد. دون أن ننسى المعاناة العائلية، إذ تم فصل عرى العائلات عندما أرسل الرجال للعمل في الغابات والمناجم، فيما أرسلت الفتيات والسيدات للعمل في المعامل أو المزارع.

روى لنا الكاهن الخبرة الإيمانية لتلك السيدة واسمها ليديا، والتي تقول أنها مكنتها من الصمود. تقول أنه في أصعب أيام الاضطهاد كان الكهنة لا يجرؤون على الجهر يكونهم كهنة، بل كانوا يعملون متخفين: مرة كسائقي جرارات زراعية في مزارع العمل الجماعية، ومرة كعمال في المناجم، كغيرهم من الرجال، ويأتون سراً كل بضعة شهور للاحتفال بالقداس الإلهي.

كان المؤمنون عندما يلتقون في الشارع في تلك الأيام لا يجرؤون على تحية بعضهم من خلال النطق بعباراتهم المعتادة مثل “ليتمجد اسم الرب”… وإنما يستعيضون عن ذلك بوضع اليد على الصدر بطريقة معينة متفق عليها. إلى أن أتى يوم اعتقلت فيه السلطات أحد الكهنة الكاثوليك المتخفين، وأخضعته لما يسمونه عادة بإعادة التثقيف السياسي، حيث يعتقل لفترة طويلة وتلقى عليه محاضرات مملة عن الشيوعية كنوع من غسيل الدماغ الممنهج، ليُجبر بعدها على الظهور على التلفاز ويعلن عن جحده لإيمانه وعودته إلى الصراط القويم.

تقول ليديا أن ظهور الكاهن الذي يعرفونه على شاشة التلفاز بذلك الشكل المذل كان الضربة القاصمة لها ولكل المؤمنين الذين تعرفهم في منطقتها، فجأة بدا كما لو أنهم فقدوا أي رجاء، توقفوا عن تحية بعضهم في الشارع، وتوقفت هي عن تلاوة صلواتها اليومية المسائية. بالرغم من أنهم يعرفون بشكل شبه يقيني أن الكاهن أجبر على القيام بتلك المسرحية المتلفزة، وأنه غالباً لم يجحد إيمانه ولا حتى أعيد تثقيفه، إلا أن ظهوره بذلك الشكل المذل، أفقدهم ثباتهم.

تقول ليديا بأنها في إحدى الليالي، وبينما كانت تأوي إلى فراشها، كانت تلوم الله على ما حلّ بهم بدل تلاوة صلاتها المعتادة، وعلى المآسي التي يعانون منها، فحلمت ليلاً بيسوع ينحني عليها ويقول لها:

ليديا ولكنك تعرفينني!

تتابع بالقول، بأنها وعلى الرغم من عدم يقينها فيما لو كان هذا الحلم عبارة عن رؤيا حقيقية أو مجرّد هلوسات امرأة يائسة، إلا أنها وجدت فيه تعزية كبيرة! تعزية دفعتها لأن تعاود تشجيع من تعرفهم من المؤمنين، بأن الله حاضر معهم وسط كل هذه الظروف الصعبة ولم يتخلّ عنهم رغم أنهم لا يلمسون إشارات واضحة لهذا الحضور. وتروي بعد ذلك كيف أنهم انتظروا 15 سنة قبل أن يزورهم كاهن من جديد، وينشؤوا معه كنيسة صغيرة ويرفعوا عليها الصليب. جرأة دفع ثمنها ذلك الكاهن سنتين من السجن، لكنها تعود لتؤكد بأنهم كانوا في ذلك الوقت، قد بدؤوا يدركون في أعماقهم أن الشيوعيين ما عادوا بتلك القوة، وأنهم قادرون على تحديهم.

لمستني تلك القصة كثيراً وقلت في نفسي ما أعظم إيمان هؤلاء الأشخاص، أتراها هي ذي ذرّة الإيمان التي تحدث عنها يسوع؟ كيف يحافظ مثل هؤلاء الأشخاص على إيمانٍ قوي ورجاء ثابت حتى في أقسى أنواع الظروف؟ وصرت أحدث نفسي عن ضعف إيماني.

لا أخفيكم أنه تراودني كثير من الشكوك عن ثبات إيماني ورجائي في خضمّ الأحداث التي يعيشها بلدي، إذ يبدو لي وكأن ثمّة حالة من انعدام الرجاء تسود الكثيرين حيال حال البلد بحيث يبدو لكثير منهم بأن الوضع القائم هو أفضل الممكن لنا ولوطننا!

في خضم الرياضة تلك، حملت هذه التساؤلات إلى مرافقي فنصحني بالتأمل في نصّ “يسوع يسكن العاصفة” (متى 8: 23 – 27). النص الذ يتحدث عن العاصفة التي هبت على يسوع والتلاميذ فيما كانوا يبحرون، واضطرار التلاميذ بسبب خوفهم من الغرق، إلى إيقاظ المسيح ليقوم بتهدئة العاصفة.

jesus

تأمّلت في التلاميذ المضطربين في السفينة من جراء العاصفة، ينظرون بقلقٍ إلى المعلّم النائم، فيما الأمواج والرياح العاتية تتقاذف سفينتهم وتتهددها بالغرق، سمعتهم يتساءلون، ما له نائم لا يبالي بنا إن متنا أم حيينا؟!

وجدت نفسي معهم على السفينة بصحبة عدد من الأصدقاء نتكلّم عن حال الوطن اليوم، والتشابه الكبير مع حال السفينة التي تخوض العاصفة، فالرياح العاتية تهدد الوطن بأسره بالغرق.

مخاوفهم في محلّها ولها ما يبررها، أنا نفسي أشاطرهم كثيراً من تلك المخاوف، ولا أستطيع ادعاء غير ذلك، فمثال السفينة الجارة التي اسمها العراق واضح وجلي، والأمواج العاتية أتت على عدد من الركاب فابتلعهم البحر. لا بل أن عدداً كبيراً من المسيحيين هناك، كان من أوائل من ذهبت به أمواج العنف غير المبرر وغير المفهوم.

أشعر بهلع التلاميذ والأصدقاء على حد سواء، فالمعلم نائم، صامت! لا يبدو عليه الاهتمام بالمعاناة التي نمر بها. أتراه لا يبالي أم توقف عن الاكتراث بنا؟

كل هذه المخاوف موجودة معي، ولكن في كثير من الأحيان تكفيني نظرة واحدة إلى المعلم لأتيّقن من وجوده معي لأطمئن وأستعيد سلامي، وفي أحيان أخرى ترتفع جرعة الشك وأجد نفسي كتوما بحاجة إلى علامة ملموسة عن وجوده، فأمضي نحوه مع التلاميذ لأوقظه وأقول له معهم: “نجنا يا سيد فنحن نهلك”.

أقول له:

نجنا يا سيد، فالقتل والدماء باتت أمراً يومياً في وطننا، باتت أمراً ضرورياً ومبرراً.

نجنا يا سيد، فالمفاهيم قد اختلطت فما عدنا نميز بين الوطني والخائن بين البطل والقاتل.

نجنا يا سيد، فوجودك الصامت ما عاد يكفينا، نريد معجزة توقف سفك الدماء، نريد علامة ملموسة توضح بجلاء حضورك معنا…

 

لم أستمر في شكواي طويلاً، إذ هزني صوت المعلم… “ما لك خائف، يا قليل الإيمان… ألا تعرفني!”

 

 

ملاحظة: السطور السابقة هي عبارة عن تأمل شخصي أحببت مشاركته مع الأصدقاء، وهي لا تحتمل أكثر من تلك الصفة.

  1. مقال رائع ومدونة جيدة جدا شكرا لك وبارك الله فيك وبالتوفيق …

  2. ممتاز جدا ورائع وبالتوفيق ….

  3. i just wana give highlight for whom so called german..in case someone love this kind of notes..german arent only whom are living in germany nowday..they are also spreading in alzace et loraine in france swiss austria sodet and in west poland and in russia kazakhstan ukraine and many many another places..and none in europe as nation got dividing as they did..and got suffering because big part of them been minority between majority non german thats why big part of them immigrate and left their land especially to the south america..because most of the volga german and east europe in general were catholic thats why they prefer to be with cathoic than top be with their christian protestant brother in north america in usa and canada..union sofiet remove hundreds of nations not only the german one..union sofiet was a cancer in the historic demograhia..

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: