بشارة مريم لزمننا الحاضر

هذا الأحد يقدم الطقس الماروني استعداداً للميلاد نص البشارة (لوقا 1: 26 – 38) للصلاة معه والتأمل فيه. فيما يلي نص تأملي شاركته مع بعض الأصدقاء مساء اليوم:

في زمن المجيء والاستعداد للميلاد، لا يكتمل هذا الاستعداد دون التوقف عند نص البشارة. لكن مشكلتنا مع هذا النص تكمن في أنه ليس بالغريب علينا، نصلّي معه أكثر من مرة في السنة الليتورجية. نعرفه بالتفاصيل، نحفظه عن ظهر قلب؛ ما قال الملاك، وإجابات مريم على حد سواء. وبسبب ذلك فإن العديد منا لا يتأمل فيه، نقول ما الفائدة؟ أعرف النص عن ظهر قلب فما الجديد الذي سيأتيني به؟ لا بل أكثر من ذلك، إذ يعتقد الكثيرون أن الميلاد بكل استعداداته ونصوصه، هو زمن مخصّص للأطفال، ليفرحوا بهداياهم، بأجواء العيد، وإن أمكن، أو لقينا وقتاً، ببعض الصلوات البسيطة والقصص الجميلة، نرويها لهم بشيء من التأثر عن الطفل يسوع المسكين الذي لم يجد مكاناً له ليولد فيه، غير حظيرة محاطاً بالحيوانات.
قصة رومانسية من دون أدنى شك، وتعطي الميلاد صبغة حميمية محببة، ولكن هل هذا هو جوهر البشارة والميلاد؟

على الطرف المقابل، ثمة من يعطي هذا النص أهمية بالغة في سياق تكريمه للعذراء، بشكل قد يخرج عن رسالته الأساسية: أعني بها هنا الكشف الإلهي. نتكلم كثيراً كيف أن الله اصطفى مريم من بين كل النساء، وكرّمها بأن تحمل يسوع، وووو… وننسى جوهر النص: الكشف الإلهي، فما هو مهم في هذا النص هو أن الله كلّمها، كشف لها عن غايته وعن مخططه لها.

ولكن قبل الحديث عن موضوع الكشف الإلهي، أود أن أركز بداية على نقطة مهمة هنا، وهي السياق التاريخي – الاجتماعي للحدث. فكثيراً ما يأخذنا الطابع الاحتفالي لنصوص الميلاد، بعيداً عن إطارها الاجتماعي. أفلا تذكرنا هنا، أن مريم هي ابنة مجتمع يهوديّ محافظ، يخوض صراعاً مريراً مع الرومان من أجل استقلاله وهويته. وفي أوقات الأزمة كهذه، تزداد المجتمعات انغلاقاً على نفسها في سبيل الحفاظ على هويتها، تزداد تعلقاً بالتقاليد والعادات. هلا تذكرنا أنه ومنذ بضع سنوات فقط قامت ثورة المكابيين رداً على تدنيس الهيكل؟ هنا لا بدّ لنا من أن نتحدّ مع مريم، لنشعر معها كم كان صعباً هذا الطلب الغريب من الرب: أن تحمل المخلص دون أن يكون لها رجل!

إن كان مثل هذا الطلب يبدو مستهجناً في عالمنا اليوم، فلنا أن نتخيل كيف كان الوضع عليه منذ ألفي عام. في الواقع كان حمل مريم أشبه بالفضيحة في وسط مجتمعها المحافظ، حتى أن يوسف خطيبها فكّر في فسخ الخطبة والتبرؤ منها، لولا أن الله تدخل من جديد ليشركه هو الآخر في مخطّطه.

مخطّط الله، بشارته، كشفه، سموه ما شئتم، كان حدثاً استثنائياً، كان انقلاباً في حياة مريم ويوسف، زعزع كيانهما واستقرارهما، انتزع منهما الأمان، كان عليهما أن يواجها المجتمع، أن يرحلا فيما بعد إلى بيت لحم، ويهربا من ثمّ إلى مصر. ما أصعبه من طلب. لا شك أن كثيرات غير مريم، كن ليفضلن الاستمرار في حياتهن الوادعة السابقة، كفتاة قروية تنتظر قدوم عرسها بهدوء ودون تعقيدات. بل لربما كانت مريم نفسها لتكون أكثر حذراً وقبولاً لمخطط الله، لو أنها عرفت المصير الذي سينتظر هذا الطفل الذي ستنجبه. هل كانت لتقول نعم لو عرفت أنه سيهان ويجلد ويصلب، أنه سيقتل؟ أو على الأقل هل كانت ستقبل بسهولة؟

أحاول أن أتخيل مريم، هذه الفتاة المؤمنة الورعة، القروية البسيطة، في بيتها الريفي تقوم بأعمالها اليومية الاعتيادية. وفجأة تحظى بنوع من الكشف الإلهي، الله يتجلى لها، عبر ملاك، أو وحي ربما، ليخبرها بأنه اختارها ويعرض عليها مخططه. لا بدّ من أن الأمر مذهل وصعب. ليس القبول سهلاً. أميل إلى الاعتقاد بأن مريم مرت بفترة صعبة من التردد، حسمتها الصلاة، فقالت نعم. تأمّلت في مخطّط الله لها، في هذا الكشف العظيم، وبإيمانها تجاوزت ترددها وخوفها.

ولكن يبقى السؤال ذاته مطروحا علينا، ما نفع هذه القصص الجميلة لحياتنا اليوم؟ كيف يخاطبنا هذا النص اليوم؟ كيف لقصة جرت قبل أكثر من ألفي عام أن تلهمنا اليوم؟ لا بل يمكننا أن نواجه الله بأسئلة أكثر جرأة، من قبيل لم لا تكشف لنا عن نفسك اليوم؟ لم لا تتكلم معنا اليوم؟

من كان منكم حاضراً محاضرة الأب هنري بولاد اليسوعي في أيار الماضي في الجامعة اليسوعية، قد يذكر كلامه حينما قال أن الكتاب المقدس يعطينا المفاتيح لسماع وفهم كلام الله لنا في أحداث التاريخ. لا يمكنني إلا أن أوافق بكل قلبي وعقلي على هذه المقولة، فالله وعدنا أنه سيكون معنا، وأرسل لنا الفادي علامة على هذا العهد، فكيف نستمع إليه اليوم، ونتأكّد من حضوره معنا في أحداث الزمن الحاضر؟ في الواقع، يقدّم لنا نص البشارة أكثر من مفتاح لفهم الكشف الإلهي من خلال الأحداث التاريخية المحيطة بنا، أختار منها ثلاثة:

–       المفتاح الأول سبق وأشرت له، ففهم مخطط الله لحياتنا ليس بالأمر السهل، بل يتطلب منا مسيرة طويلة وصعبة، لا تكتمل حتى اليوم الأخير من حياتنا. كانت مريم، كما يقول لنا الكتاب المقدس، تحفظ كلّ ما يحصل مع يسوع في قلبها، بعبارة أخرى، كانت تكتشف كل يوم أبعاداً جديدة وصعبة لهذا المخطط. قد يتطلب منا مخطط الله هذا، انقلاباً جذرياً، قد يتطلب مواجهة المجتمع والمحيط، قد يتطلب أن نعدّ مجانين في نظر العالم كما يقول القديس إغناطيوس في نصوص الرياضات الروحية. لا بد أن القديس يوسف مثلاً، عد مجنوناً في نظر أهل القرية لأنه صدق قصة مريم عن حملها العجائبي! اتباع مخطط الله يعني أن نمر من الباب الضيق مع كل الصعوبات التي قد يحملها هذا المرور.

–       أما المفتاح الثاني، فهو قدرة العلي التي تظللنا وتحفظنا. عندما نعمل وفقط مخطط الله، فسنشعر بهذه القدرة تظللنا وتمنحنا القوة، على الرغم من اليأس والإحباط الذي قد يداهمنا من وقت لآخر، علل الرغم من الألم والخسارة، على الرغم مما قد يبدو لنا من انسداد للأفق. وصدقوني ستشعرون بهذه القدرة، وستختبرونها بشكل شخصيّ ما أن تخطوا الخطوة الأولى على الطريق الصحيح. وكما تلاحظون فإن كلمة لا تخافي ترد في هذا النص كما في عشرات نصوص الكتاب المقدس، في تأكيد جديد أن الله معنا لا يتركنا، حتى ولو عبرنا في وادي ظلال الموت.

–       أما المفتاح الثالث والأخير فهو الاتصال الوثيق بالله من خلال الصلاة. لا يمكننا أن نفهم ما يفكر به أصدقاءنا ونحن بعيدون عنهم، لا يشعر العشاق ببعضهم دون أن يتواصلوا. وهكذا فما الصلاة سوى هذا التواصل الحميم مع الله، المناجاة التي تساعدنا على فهم كلامه لنا. وإن عدنا إلى مريم، فإنه يمكنني التأكيد على أنه ما كان لها أن تفهم البشارة، وأن تصير شريكة في مخطط الله الخلاصي للبشر، لو لم تكن على علاقة وثيقة بالله.

لنفهم مخطط الله لحياتنا، لنفهم كلامه لنا، يجب أن نضع هذه المفاتيح نصب أعيننا: أن ندرك أننا بحاجة لبذل جهد مضن، أن نثق بالله الذي سيرافقنا في هذه المسيرة، وأن نحافظ على علاقة وثيقة به.

لنصلّ إذن يا إخوتي في زمن المجيء هذا طلباً لنعمة الفهم، لنصلي لكي تظللنا قدرة العلي، فنتمكن من فهم ما يريد أن يقوله لنا من خلال الأحداث التي نشهدها بخاصة في الوقت الراهن، لنتمكن من اجتياز المطبات الصعبة التي تجتازها أوطاننا هذه الأيام، لكي نتمكن من اتخاذ الموقف الذي يحثنا الله على اتخاذه، موقف الانحياز إلى قيمنا وإلى مبادئنا الإنجيلية.

    • tony
    • نوفمبر 20th, 2011

    thanks to the communication revolution because that way, I didn’t miss your speak

    • يوسف اجيا
    • ديسمبر 11th, 2011

    ابونا.. دائما ارسل لنا هذه المقالات ..تلك المقالات التي تجعلك تقف عند الكثير من التفاصيل التي مررنا عليهادائما كما لو انها مجردكلمات.. الله معك والى الامام يا ابونا فادي.. قد نختلف في كثير من النقاط ولكن في الدين سنتفق دائما خاصة ان تربتنا يسوعية.. بكل تواضع وبلك فخر واعتزاز. ميلاد مجيد

      • Fadi Hallisso
      • ديسمبر 12th, 2011

      شكرا يوسف، صديقي العزيز. في النهاية حتى إن اختلفنا في أمرو الإيمان سنبقى أصدقاء وأبقى معتزاً بهذه الصداقة. ميلاد مجيد لك ولعائلتك الصغيرة.

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: