خربشات سورية (6) – إخوتي الصغار

Bedouin 3

منذ سنة تقريباً، في مثل هذا الوقت أو ربما قبله بقليل، كانت صديقة لي، وهي صحفية لبنانية شابة، تعدّ تقريراً عن البدو في لبنان. فرافقتها في رحلة لها إلى بعض أماكن تجمعهم في سهل البقاع، برفقة الكاميرا طبعاً.

لا أعرف إن كانت الصدفة هي ما جعلنا نقع يومها على ثلاث تجمعات لبدو وعرب قدموا من سوريا. حيث كانت التجمعات الثلاث لمهاجرين من أرياف حمص وحلب. في إحدى هذه التجمعات، وفيما كانت صديقتي تطرح أسئلتها على النساء لتجمع مادة تحقيقها، التقطت مسرعاً بعض الصور للأطفال قبل أن يأتي بعض الرجال معترضين.

التقطت الكثير من البورتريهات ذلك اليوم، إلا أن واحدة منها (الصورة في الأعلى) لفتت انتباهي عندما

عدت إلى المنزل وأخذت أعالج الصور. كان الموقف الدفاعي للفتاة ملفتاً، وضع ذراعيها، تقطيب حاجبيها ونظرتها. شعرت بها تخاطبني وتطلب مني الكف عن التطفل على حياتها وحياة عشيرتها. الأمر الي دعاني إلى الإحجام وقتها، عن نشر مجموعة الصور التي التقطتها ذلك اليوم، في ما عدا البعض منها مما كنت قد سبق وأعطيته لصديقتي لتستعملها في تحقيقها الصحفي.

صدفة أخرى جعلتني أتراجع عن قراري وأنشر هذه الصورة من ضمن صور أخرى على حسابي في فليكر. إذ كنت منذ يومين متعباً ومحبطاً، فأخذت أقلب في مجلدات الصور حتى وقعت عليها من جديد! يا الله، يا لها من مصادفة! تذكرت للتو ذلك اليوم، ونظرات الفتاة، وشكوى عشيرتها من الأحوال الصعبة. إن سألتهم لم تركتم سوريا وأتيتم إلى لبنان، فالجواب واحد على الدوام: بحثاً عن عمل. كان هذا  قبل أربعة أشهر أو خمسة على بدء الأحداث التي تشهدها سوريا.

كان الانطباع الذي خرجت به مليئاً بالتناقضات، فمن جهة كنت أعجب لطريقة عيشهم البدائية في خيام تفتقر لمقومات الراحة الأساسية، ورغم ذلك تراهم سعداء، أطفالهم يبتسمون ويلعبون، وتجد بعض الفتيات وقتاً لكتابة الشعر. ومن جهة ثانية فإنهم يعانون كثيراً في الحصول على أعمال حتى في لبنان، ليس هذا فقط، بل إن تواجدهم بأعداد كثيفة، مع عائلاتهم وأولادهم، يجعل جيرانهم اللبنانيين في حالة تذمر وشكوى مستمرين من هذا الوجود.

Bedouin 1

باختصار، حياتهم ليست سهلة، وهكذا هي حياة عشرات الآلاف من العمال السوريين المتواجدين في لبنان. يعملون منذ ساعات الصباح الباكر وحتى المساء في أعمال صعبة ومرهقة، أغلبهم يعيش في غرف صغيرة مع عدد كبير من رفاقهم، بعيدون عن أهلهم وعائلاتهم، يفترشون الأرض، ويأكلون طعاماً غير صحي على الإطلاق، ليوفروا قليلاً من المال يعيل الأفواه الجائعة في بيوتهم.

وكأن الغربة وظروف العمل القاسية لا تكفيهم، حتى تأتي حوادث تصعب عليهم حياتهم أكثر فأكثر. فمنذ بضعة أيام حدثت جريمة بشعة في لبنان – ساحل علما بطلها عامل سوري. صعدت صبية بعمر الورد “ميريام الأشقر” 28 سنة، من بيتها إلى الدير المجاور لتصلي كعادتها، علّ الرب يجيب نداءها في بحثها عن عمل، فيحاول عامل يقطن الدير “فتحي جبر السلاطين” الاعتداء عليها، وعندما قاومته بشدة قتلها ورمى بجثتها في أحراش المنطقة.

كانت ميريام ستتزوج اليوم. لكن الشرّ تدخل وكانت له كلمة أخرى! إنها جريمة مروعة بكل المقاييس، ومرتكبها يستحق من دون شك عقوبة قصوى، ومحاكمة عادلة بالطبع.

ردود الأفعال في لبنان على الجريمة كانت شديدة ولكنها مفهومة في الوقت عينه، فالغضب الذي تولده مثل هذه الجريمة، الذي يولده مثل هذا الشر، لا حدود له. أصلي إلى الله لئلا يضع أحداً في مثل موقف عائلة ميريام. صحيح أنني غضبت وتأثرت في اللحظة الأولى بسبب المواقف العدائية التي حملتها التعليقات تجاه العمال السوريين، إلا أنني بعد برهة من التفكير والتأمل، أدركت أن لردود الفعل هذه تاريخ طويل من تراكم المعاناة مع ممارسات سيئة مسكوت عنها إبان وجود الجيش السوري في لبنان.

هذه الأفكار وغيرها كانت تجول في رأسي وأنا أتأمل في هذه الصور. أخذت أفكر في العامل السوري الذي التقيته في الشارع يعمل في شركة سوكلين “زبالاً” كما نسميه في لهجتنا، والذي كان منذ بضع سنوات فقط مزارعاً يمتلك أرضاً في الجزيرة السورية، ويعيش من محصولها. واليوم اضطره الجفاف الذي لم تتعامل معه حكومتنا الرشيدة، إلى هبوطه درجات وردجات على السلم الاجتماعي. فكرت في عمق الجرح الذي يشعر به مع الآلاف غيره ممن هجروا أراضيهم ليعيشوا في خيام محيطة بدمشق.

فكرت في أطفال اللاذقية الذين ينتشرون هذه الأيام بكثرة عند إشارات المرور في بيروت، ليبيعوا مناديل وعلكة، أو ليتسولوا ما يقوت عائلاتهم التي لجأت إلى لبنان إثر قصف حي الرمل في اللاذقية. فكرت في اللاجئين السوريين في وادي خالد، أولئك الذين تكتب الصحف يومياً عن معاناتهم في هذا الشتاء، وعن ظروفهم الصعبة.

فكرت في كثير من أصدقائي، في استغرابهم من مواقفي، وفي سؤالهم الذي يتكرر دوماً، “ما الذي ينقصنا؟”. أيعقل أننا لا نتمكن من التفكير بأن ما ينقصنا يتجاوز حاجاتنا الأساسية إلى الاهتمام بمعاناة غيرنا؟؟

فكرت في مسؤوليتنا المعنوية، في سكوتنا عن كثير من الظلم الاجتماعي والسياسي في بلدنا، ظلم يحيق بكثير من الناس دون أن نبالي. فكرت في مسؤوليتنا عن تحول شخص مثل فتحي جبر السلاطين إلى سفاح، في مسؤوليتنا عن العنف الذي يمارسه الشبيحة تجاه المتظاهرين في بلدي، في مسؤوليتنا عن الحقد الطائفي الموجود لدى بعض أبناء بلدي والذي يدفعهم إلى ارتكاب أعمال انتقامية شائنة.

فكرت أنه حينما حاولت مجموعة من المثقفين في وطني تحمل جزء من مسؤوليتها المعنوية، فطالبت مع رفاق لها في لبنان عبر بيان بيروت – دمشق، دمشق – بيروت، بتصحيح العلاقات السورية اللبنانية،  جرى تخوينهم واتهامهم بالعمالة، لا بل جرى سجن بعضهم كعلي العبد الله وميشيل كيلو وكمال اللبواني. واليوم مع اشتداد الأزمة صرنا نعتبر هؤلاء من المعارضة الوطنية الشريفة، دون حتى أن نفكر بالاعتذار لهم عن سكوتنا على سجنهم وتواطئنا مع سجانهم.

فكرت في كل هذا، وفي مسؤوليتي المعنوية عن كل هذا، في صمتي وفي جبني، فكرت في أن: “كل ما تفعلوه لأحد إخوتي الصغار هؤلاء فلي تفعلوه”. وشعرت بالعجز!

فهل تنقذني يا رب؟

    • جورج
    • نوفمبر 27th, 2011

    رائع هذا التأوين ,…وهذا الرجاء

  1. كتير حلوة

  2. واليوم مع اشتداد الأزمة صرنا نعتبر هؤلاء من المعارضة الوطنية الشريفة، دون حتى أن نفكر بالاعتذار لهم عن سكوتنا على سجنهم وتوطئنا مع سجانهم.

    • Wissam Elkak
    • نوفمبر 27th, 2011

    فادي ، هذه من أجمل ما كتبت ، هذه هي الثورة . الثورة والنقلاب على النفس ، شكراً لقلمك .

    • Fadi Hallisso
    • نوفمبر 27th, 2011

    شكراً لكم جميعاً. ولنحمل وطننا وإنسان وطننا في صلواتنا.

    • emil
    • نوفمبر 27th, 2011

    فهل تنقذنا يارب

  3. اللهم انصر اهلنا و اخوانناا فى سوريا

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: