اللاجئون السوريون أمام الخطاب الشعبوي في لبنان

من أماكن اللجوء في البقاع

من أماكن اللجوء في البقاع

لستُ أجد نفسي، باعتباري مواطناً سوريّاً يقيم في لبنان منذ عدّة سنوات، انطلاقاً من أصول الضيافة على الأقل، معنياً بزواريب السياسة المحليّة. إلا أنني مع حملة التصريحات تجاه اللاجئين السوريين من قبل بعض الساسة المسيحيّين، على اختلاف اصطفافاتهم، أجد لزاماً عليّ أن أصحّح بعض المغالطات. وأن ألفت النظر إلى أمور قد تكون غابت عن بال أصحاب التصريحات المثيرة للجدل في زحمة الاستعداد للانتخابات المقبلة والسعي الحثيث للعب على الأوتار الجالبة لأصوات الناخبين.

ما من شكّ بأنّ قدوم أعداد كبيرة من اللاجئين إلى بلدٍ ما وفي فترة زمنيّة قصيرة نسبيّاً يشكّل عبئاً على المواطنين من الفئات محدودة الدخل، إذ ترتفع الأسعار لا سيّما أجرة الشقق السكنيّة. إلا أنّه لا يمكن لنا أن ننكر بحالٍ من الأحوال أن ثمّة على المقلب الآخر فئات أخرى تحقّق مكاسب ضخمة، وأنّ قطاعات اقتصاديّة بأكملها، كالعقارات والاستشفاء والاتصالات، تنتعش بعد ركود وتحقّق واردات غير مباشرة لخزينة الدولة. سبق لنا في سوريا أن اختبرنا ذلك عندما لامس عدد اللاجئين العراقيين في دمشق وضواحيها فقط عتبة المليون عقب الغزو الأمريكي.

تجدر الإشارة هنا، إلى من غاب عنه من الساسة الذين يعتبرون أن اللاجئين السوريين باتوا يشكّلون عبئاً على الدولة اللبنانية، أنّ الرفض المتكرّر والمتعمّد من حكومتهم لإقامة أيّ نوع من المخيّمات لاستضافة النازحين أسوة بالدول المجاورة، هو ما دفع بهم إلى الداخل والسكن من ثمّ في شقق وغرف ومرائب مأجورة، الأمر الذي رفع أجرة بعض الشقق، حتّى في المناطق النائية، إلى أرقام فلكيّة يعجزون عنها لولا مساعدة المحسنين من مغتربين ورجال أعمال سوريّين وعرب، بل حتّى كثير من اللبنانيين. والشي بالشيء يذكر فقد كنتُ  بنفسي شاهداً على أكثر من محاولة جرت لإقناع الحكومة اللبنانية بإقامة مخيّمات بتمويل عربيّ ودوليّ قرب الحدود، إلا أنّ هذه المحاولات اصطدمت برفضٍ قاطع كلّ مرّة، إمّا لأسباب سياسيّة تتعلّق بمسايرة بعض الأطراف في
الحكومة للنظام السوريّ في روايته المتنكّرة لوجود قضيّة نزوح أساساً، أو الأخطر بسبب هواجس غير منطقية من تكرار مأساة المخيّمات الفلسطينية. فالسوريون لم يأتوا ليبقوا، وليسوا سعداء بنوعية حياة المهجّر التي يعيشونها حيث يعتمدون على المساعدات في تدبّر أمور حياتهم الأساسية، ويقبع أغلبهم عاطلاً عن العمل. أتيحت لي أمس الأول فرصة زيارة إحدى العائلات النازحة من حمص بصحبة عاملين في منظمة إغاثة دولية، ولما سأل هؤلاء ربّ العائلة عمّا يتمنّاه، أجاب بأنه يتمنّى وقف القصف على حيّه على الأقل ليتمكّن من العودة. قال بأنه يرضى أن يعود إلى حالة الاشتباكات اليومية وإطلاق الرصاص من دون قصف بالبراميل والمدفعية، على البقاء في لبنان عاجزاً، عاطلاً.

أي عبء يشكّله قاطنو هذه الأماكن؟

أي عبء يشكّله قاطنو هذه الأماكن؟

أقترح على هؤلاء الساسة الذين يتناسون كمّ الأموال التي تصرفها المنظّمات الدولية العاملة في الشأن السوري في لبنان، أويتجاهلون حتّى حقيقة أن حكومتهم نفسها في تقريرها المقدم إلى جامعة الدول العربية مؤخّراً قد قدّرت حجم العباء التي تكلفتها حتى الآن بخمسة ملايين دولار فحسب، أقترح عليهم لتقييم عبء السوريين على حقيقته، القيام بجولة ميدانية، علّهم يطّلعون بأنفسهم على كمّ السوريين الذين يستشفون في القطاع الطبيّ المكلف، بوسائلهم الخاصة أو بدعم من المنظّمات الدولية، علّهم يتنبّهون إلى أنّ ثمّة مستشفيات بأكملها تّم استئجارها في طرابلس على سبيل المثال لتعمل بطاقتها القصوى في علاج المصابين الهاربين عبر الحدود التي يطالبون بإغلاقها. أو ربّما يزورون مناطق جونية، الزوق، سن الفيل وصولاً إلى برمانا،وعاليه وبحمدون ليطّلعوا على كمّ العائلات السورية من الطبقة الوسطى فما فوق التي تسكن مبانٍ وفنادق بأكملها وبأسعار يتجاوز بعضها عتبة الألف دولار. أو ربّما قاموا بجولة ليلية في شوارع الحمرا حيث تحوّلت مقاهيها ومطاعمها إلى أماكن لقاء يوميّ لمئات الناشطين الهاربين. كلّ هؤلاء وأعدادهم ليست بقليلة غير مسجّلين مع مفوضيّة الاجئين، وأغلبهم يصرف مدّخراته القليلة المتبقيّة لصالح الاقتصاد اللبنانيّ، وقلّة فقط وجدت عملاً بمرتّبات غير لائقة لا تكفي غالباً لسداد حصّتهم في البيوت التي يستأجرونها بشكل جماعيّ.

أي عبء يشكّله قاطنو هذه الأماكن؟

أي عبء يشكّله قاطنو هذه الأماكن؟

ما من شكّ لديّ أيضاً بأنّ الاستجابة الدولية ليست بحجم الأزمة، وقاصرة عن التجاوب مع المتوقّع منها، ففترة التأخير في تسجيل الوافدين الجدد مع المفوضية تتراوح ما بين الشهر والثلاثة، وثمّة الكثير الذي يقال حيال معاناة آلاف السوريين من الطبقات المسحوقة القادمين بحثاً عن ملجأ.لا يعني ذلك بأيّ حال أن أزمة النزوح تشكّل حتّى اللحظة هذا العبء الذي يوحي به البعض، لا سيّما أن أغلب الجهد المبذول لخدمتهم تتحمّله المنظمات الدولية والأهلية لا الحكومية، كما لا يعني ذلك أن هذه الأزمة حتى وإن كانت بالشكل الذي يوحي به البعض تُحلّ بإحياء الرُّهاب تجاه السوريين والفلسطينيين، علماً بأن الأسوأ قادم حال بدء معركة دمشق الأخيرة. وقد بينت تجربة الأيام الأخيرة بجلاء أنه متى ما فتحت طاقة العنصرية فثمّة على الدوام من هو مستعد للتمادي والذهاب إلى أبعد، أكتفي هنا بالإشارة إلى اثنين من الفيديوهات المتداولة بكثرة على الفايسبوك هذه الأيام، أحدها مقتطف من أحد برامج قناة أو تي في، والثاني يحذر من تكرار ما حصل مع الفلسطينيين، والتسبب باحتلال الأرض وإشعال الحرب في لبنان من جديد.

ختاماً، يبدو أنّ حركة المجتمع الأهلي اللبناني متقدِّمة بخطوات على سياسييه، فعلى الرغم من رواسب خبرة الماضي السيّئة، إلا أنّ التجاوب الحارّ الذي نلقاه من فئات عريضة من المجتمع اللبنانيّ مع حملات دعم النازحين، على الرغم من عنصرية البعض الآخر، يعزّز الأمل بأن تكون المحنة الحاليّة طريقاً للمصالحة التي طال انتظارها بين الشعبين، فهل نقبل بأن يُفسد الخطاب السياسيّ الشعبويّ الانتخابيّ هذه الفرصة؟ سؤال برسم العقلاء في الطبقة السياسية المسيحية.

    • إنسان – مواطن الحياة
    • يناير 27th, 2013

    “على من تقرع مزاميرك يا داوود؟!” – طالما عرفت عن نفسك في البدء بأنك “مواطن سوري” لن ينقر المقصود ان يسمعك ، وللأسف، على “المزيد”! التعصب الطائفي والمصالح التي تنتقد تعمي بصائرهم!😦
    إنسان – مواطن الحياة

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: