ولدت الثورة ومات التدوين السوري؟

نشرت في جريدة المدن الإليكترونية في ١٢/ ٢/ ٢٠١٣

إذا ما استثنينا قلة رأت في التدوين فسحة للتعبير عن مواهبها، فإن غالبية المدونين السوريين خاضت تجاربها بدافع الهم العام. تجلّى ذلك في أكثر من حملة ومحطّة شهدها عالم التدوين قبل الثورة السورية. وأبرزت هذه الحملات تضامن المدونين حيناً واختلافاتهم أحياناً، ما يعكس تنوّع توجّهاتهم الفكرية، وإن على نحو غير واضح المعالم، ما بين علمانيّين وإسلاميّين، ليبراليّين ويساريّين، كما في حملات: التضامن مع معتقلي منتدى أخويّة، ضدّ جرائم الشرف، التدوين للجولان ولغزّة، وعن مسوّدة قانون الأحوال الشخصيّة، وتضامناً مع المدوّنة طلّ الملوحي… وغيرها.

قبل الثورة، كنّا ندوّن عن كلّ شيء باستثناء الهموم السورية العميقة. وكان من الطبيعي، إذاً، أن نهرع مع نسمات الحريّة البكر التي طالت بلدنا للكتابة، سعياً إلى تجاوز الخطوط الحمراء الكثيرة. ولعل أبرز مثال على ذلك هو الملف الذي نشره موقع “الصفحات السورية” بعد عام من انطلاق الربيع العربي، وشاركتُ فيه شخصياً إلى جانب أحد عشر مدوّناً من سوريا وفلسطين.

والواقع أنّ المدوّنين، مثل بقية مكوّنات المجتمع السوريّ، لم يكونوا بمعزلٍ عن الاستقطاب الحاد الذي حصل في أشهر الثورة الأولى، ما أدّى إلى بروز معسكرَيْن، الأوّل مشجّع لانتفاضة شعبه ومدافع عن الحقّ في التظاهر السلميّ والتعبير عن رفض النظام القائم، والثاني متحفّظ على الثورة بحجّة الخوف على البلد من الفوضى، وقد تحوّل هذا المعسكر للدفاع عن النظام في ما بعد.

ومّما يسجّل في هذا الإطار غزارة الكتابة التي شهدتها الشهور الأولى من الربيع العربيّ والثورة السورية، حيث برزت، إلى جانب المدوّنات الفردية، ظاهرة المدوّنات الجماعية كـ”المندسّة”، “كبريت”، “دحنون”، و”يوميّات سوريّة”، التي أخذت تنشر بغزارة كبيرة، بالفصحى والعاميّة، مقالات لمدوّني سوريا من جهة، ولأشخاص كتبوا للمرّة الأولى دفاعاً عن انتفاضة الشعب. إلا أنّ هذه الظاهرة ما لبثت، مع طول أمد الثورة، أن انحسرت كما انحسرت قبلها المدوّنات الفردية، فبدا أن الناس لم يعودوا مهتمّين بقراءة المقالات والتحليلات كمثل اهتمامهم بمتابعة النقاشات الدائرة على “فايسبوك”.

وفي إطار الحديث عن أسباب انحسار الاهتمام بالتدوين في سوريا، لا بد من الإشارة إلى عامل آخر غير عاملي شبكة التواصل الاجتماعي والتضييق الأمني، وهو ذاك المتعلّق بالمهام الكثيرة التي وجد المدوّنون – النشطاء أنفسهم خلال الثورة مطالبين بممارستها. انشغل بعضهم في توثيق الانتهاكات، مثل رزان غزاوي وحسين غرير، اللذين عملا في “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير”. وتحول بعضهم إلى النشاط السياسي، كعمر مشوّح الذي صار ناطقاً باسم جماعة “الأخوان المسلمين” وعضواً في “المجلس الوطنيّ السوري” لاحقاً. في حين، ذهب آخرون إلى التحليل السياسيّ والاجتماعيّ للثورة، كياسين سويحة الكاتب في موقع “الجمهوريّة لدراسات الثورة السوريّة” وأحد مؤسسيه. وقد انشغل كثيرون من المدونين السوريين، الذين كانوا فاعلين في زمن ما قبل الثورة، بالتظاهر والتواصل مع وسائل الإعلام والمشاركة في الندوات والمؤتمرات الحقوقية أو في أعمال الإغاثة.

هكذا، بدا طبيعياً انحسار نشاط أغلب هؤلاء المدونين إلى أقل من تدوينة شهرية، أو إلى توقّف بعض المدوّنات بشكل كامل واختفائها من الشبكة. ومع ذلك يبقى السؤال مطروحاً: هل بقي للكلمة من أثر مع الحرب المفتوحة اليوم في أرجاء الوطن؟

 

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: