من هوامش دفتر الشتات (٤) – بحثاً عن وطن وهويّة

SONY DSC

كنتُ، حتّى وقت قريب، شديد الاعتزاز بمدينتي حلب. غالباً ما عرَّفتُ عن نفسي بالقول أنا حلبيّ، آتي من مدينة عابقة بالأصالة والتراث، مدينة الآثار العظيمة، والطرب الأصيل، والمأكولات الشهيّة التي لا يمكن لأيّ مطبخ شرقيّ آخر أن يبزّها.

ظلّت حلب التي غادرتها منذ سنوات ستّ حاضرة في روحي ووجداني.

ما تزال أذني مرهفة تجاه القدود، تلتقط أغاني صباح فخري المتسلّلة من الإذاعات والنوافذ والمقاهي هنا وهناك، أجهد في تجميع ألبومات صبري مدلل وفرق الموسيقى الصوفيّة الحلبيّة، علّها تنعش ذكرياتي المتناثرة في مدينتي الواسعة: في حمّامات السوق العتيق التي لي فيها أمسيات لا تُنسى مع فرقة الكشافة… في قهوة القلعة، قبل أن يغزوها النمط الغربيّ، والشاهدة على عددٍ من مباريات الورق الممتدّة حتّى الصباح يرافقها فنجان الشاي ذو الخمس وثلاثين ليرة مع فطائر الجبنة والمحمّرة وأمل حياتي لأم كلثوم التي لم أحبّها إلا بعد أن غادرتُ حلب… في سوق العبّارة المزدحم وشارع الجميليّة ومحلات السيديّات المقرصنة، في مشاوير الباسوطة والريف الكورديّ الجميل.

لم أزر مدينتي منذ ثلاث سنوات تقريباً، وثمّة حنين قاتل إليها. في الواقع أخشى من الزيارة القادمة. هل سأعرفها؟ أم أنني سأتمنى لو لم أعد إليها؟ أتراني بقادر على التعرف إلى مدينة الصبا على الرغم من كلّ الدمار الذي أصابها؟ دمار إنسانيّ وعمراني على حدّ سواء!
معالم حلب العريقة تتهاوى تحت وطأة البراميل، القصف المدفعي، قذائف الهاون والتفخيخ. عنف وعنف مضاد أفقد كلّ القضايا أيّ معنى! دمار وألم عبثيّان… تضرّر قسم كبير من الجامع الأموي، احترق سوق المدينة، تهدّم مبنى الهجرة والجوازات القديم ومطعم بيرويا الجميل. فُخّخ فندق الكارلتون المرمّم، ويقال أن مبنى السراي القديم قد أُزيل أيضاً، احترقت عدّة بيوت قديمة في منطقة الجديدة، ومثلها عشرات الأبنية العتيقة أو الجديدة والتي، وإن كانت مجهولة الأسماء لديّ، فإنّها تشكّل جزءاً من اللوحة التي تستوطنها ذكرياتي.

ما الذي يربطني بهذه المدينة بعد اليوم إن كان جزء مهمّ من ذاكرتي قد محاه الدمار؟ وقسم كبير من الصداقات أنهته الاختلافات والمواقف المتباينة؟ أما ما صمد منها أمام الهزّة العنيفة التي أصابت كلّ علاقاتنا الإنسانيّة، غادر أو يستعدّ للمغادرة. هل صارت مدينة غريبة عنّي شأنها شأن أيّ مدينة أخرى مررتُ بها في السنوات الستّ الماضية؟
من أنا إن فقدتُ مدينتي؟ هل يمكنني أن أكون سوريّاً دون مدينة، دون ذاكرة؟ من أنا إن كنتُ غير قادر على الفكاك من النفور الذي يتملّكني تجاه سوريا التي يريد كلّ طرف فرضها؟ من أنا إن شعرت بأنّ المسيحية كما تُعاش وتُعلن في هذا الشرق ما عادت تعنيني؟ هل فقدتُ هويتي؟ أم صودرت إلى حين؟

ثمّة أزمة وطن وهويّة أعيشها ككثير من السوريّين على ما أعتقد. لا يقتصر الأمر على فقداننا لما نحبّ، إذ تهاوت الثوابت أو ما حسبناها كذلك، تقلّص الانتماء الوطنيّ في وجه الحشد الطائفيّ والمناطقيّ والجمعيّ. أشعر بالغربة أمام زحمة المفردات الجديدة المتداولة. بات الحديث عن الهويّة السوريّة الجامعة نادراً أمام كثرة الهويّات التي استيقظت من سباتها القسري، إلى الحدّ الذي يدفعك للتساؤل، هل كان هنالك يوماً مثل هذه الهوية التي أعتقد أني فقدتها؟ أم أنها كانت مجرد بدعة انتهت موضتها؟

أشعر بقسوة الغربة على الرغم من أنّي أحبّ لبنان، وأحبّ أصدقائي اللبنانيين، وأحبّ الحياة في لبنان بكلّ الغنى الذي تحمله. ولكن مع كلّ خطوة فيها شيء من ملامح الاستقرار كتوقيع عقد أجار الشقة، أو استخراج رخصة قيادة، أُحسّ بازدياد المسافة التي تفصلني عن وطني، وعن مدينتي. أحس بمرارة الغربة المفروضة.
ولكني في الغربة أكتشف وطناً جديداً ما كنتُ أعرف عنه الكثير، وطناً أحبّه وأتماهى معه بسهولة. في غربتي هذه استعدت اهتمامي بفلسطين وقضيّتها لمّا تعرّفت إلى شباب اليرموك الرائعين. في غربتي تعرّفت إلى سوريا غنيّة ما كان بالإمكان معرفتها في مجتمعي المحليّ الضيق في حلب. اكتشفت درعا وحوران، اكتشفت حمص وريف دمشق، طاقة هائلة لدى شباب سوريّ متنوّع يطلق عشرات المبادرات معلناً رفضه الاستلام لمنطق العنف والكراهية والقتل.

في غربتي اللبنانية ثمّة إيجابية كبرى… إذ تساعدني على أن أكون شريكاً لأشخاص رائعين في خلق هويّة سوريّة جديدة لا يمكنني إلّا أن أكون فخوراً بها.

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: