Archive for the ‘ مقالات ’ Category

خربشات من مصر (3) – ما بعد 25 يناير

أخيراً عدت إلى القاهرة! بعد غياب سنة ونصف ملأى بالأحداث، أعرف أن زيارة قصيرة لثلاثة أيام لن تشفي غليلي بالتأكيد، لكنها ستعالج شوقي للقاء التحرير وأهله. كنت أتساءل كيف ستبدو لي القاهرة بعد هذا الغياب، فلم تتأخر الإجابة، إذ يمكن للمرء أن يلحظ التغييرات التي طرأت على مصر وعلى الحياة فيها في اللحظة التي تتجاوز فيها قدماه بوابة المطار.

غياب تام للشرطة المصرية عن الشوارع، ذلك هو الملمح الأول للتغيير، لربما يكون ذلك ناجماً خوف الشرطة من العودة إلى الشوارع بعد فقدان الثقة مع الجماهير. يمكن للثقة أن تستعاد في حال توافرت سلامة النية، لكن الأرجح على ما أعتقد أنه نوع من العقاب الجماعي، ذلك كان شعور غالبية من قابلتهم، نوع من الإحلال المدروس للفوضى ليترحّم المصريون على زنزانات أمن الدولة، وعلى كفّ الباشا في القسم، ليترحّموا على أيام كانت فيها حوادث مثل موت خالد سعيد لا تعتبر إلا أعراضاً جانبية للقبضة الأمنية القوية، تلك التي تحفظ الاستقرار الذي ينعم به المواطنون والذي يسبّحون بحمده صباحاً ومساء، في النهاية من الذي يهتم لموت شاب واحد أما كان ذلك أفضل من حالة الفوضى الحالية؟! هكذا أتخيل احتجاجات أعضاء جماعة آسفين يا ريس أو حزب الكنبة كما يسمي المصريون أولئك الجالسين في بيوتهم والمتضايقين من نتائج الثورة. إلا أن المفاجئة التي تثير حنق الحاكم تكمن في أن الحياة تسير بشكل إقرأ المزيد

الإعلانات

أزمة الهوية العربية

نُشرت هذه المقالة ضمن ملف لعدد من المدونين السوريين حول الربيع العربي على موقع صفحات سورية.  من المشاركين في الملف: ياسين السويحة – حسين غرير – شيرين الحايك – رزان غزاوي – جابرييل كبة – ياسر الزيات – ريتا السلاق – طارق شام – عبد السلام إسماعيل – أمجد طالب – وأنا.

ثمّة ظاهرة لافتة استوقفتني مطوّلاً في كلّ من الجزائر ومصر، في فترة إقامتي القصيرة في كلّ منهما، وتتجلّى في النقدّ الذاتي لمرحلة ما بعد الاستقلال في الجزائر وما بعد ثورة يوليو في مصر. في الجزائر مثلاً، تدور على صفحات الجرائد بين الفينة والأخرى عملية نقدٍ جريئة للماضي، لممارسات الثورة، وبالأخصّ للشهور الأخيرة من الثورة، ومن ثم للمرحلة التي أعقبت الاستقلال، وأداء القيادات في تلك المرحلة. ويحدث كثيراً حينما يلتقي المرء ببعض كبار السنّ في الجزائر، أن يسمعهم يتّهمون وبمرارة، تلك القيادات بسرقة الثورة، ويصنّفونهم ضمن “المارسيست”.

والمارسيست Marsistes أو الآذاريين، هو مصطلح يطلق على ثوّار الساعة الأخيرة، أي تلك الفئة من الناس التي ظلّت تدعم الفرنسيين حتى اللحظة الأخيرة، أو ظلّت أقلّه محجمةً عن دعم الثورة حتى تمّ توقيع اتفاقية ايفيان في 19 آذار 1962،  وهي الاتفاقية التي أعطت الجزائريين حقّ تقرير المصير من خلال استفتاء عام، فسارع هؤلاء، بعدما بدا أن البلاد في طريقها إلى الاستقلال، إلى الانضمام للثورة، وتسجيل أسمائهم في جبهة التحرير الوطنية FLN، ووصلوا لاحقاً إلى مراكز متقدمة وقادوا البلاد والحزب، بعد أن قُتل عدد كبير من قيادات الثورة الأساسية خلال الحرب الطويلة.

ثمّة كثير من النقد إذن لتلك الفترة التي أعقبت الاستقلال، للأحادية الأيديولوجية التي طبعتها، ولملامحها التي اتسمت من بين ما اتسمت به، بسياسة تعريب قاسية قادها لسخرية القدر كثيرون ممّن ظلوا موالين لفرنسا حتى اللحظات الأخيرة. أنكرت تلك السياسة على باقي المكوّنات المجتمعيّة، حقوقها الثقافية، وجرّمت استعمال لغاتهم المحلية، محاولةً فرض فكرة العروبة بالقوّة، والتنكّر لأيّة قومية أخرى، بدعوى أن أيّ كلامٍ في القوميات المغايرة للقومية العربية هو عمل بغيض من آثار المرحلة الاستعمارية الفرنسية. ومن الجليّ اليوم أن هذه الممارسات ولّدت لدى بعض الأمازيغ، وعلى الأخصّ سكّان منطقة إقرأ المزيد

عن المؤامرة نتكلم

بعد استقلال نيكاراغوا، إحدى الجمهوريات الصغيرة في أمريكا الوسطى، عام 1937، حكمتها عائلة “سوموزا” (سوموزا الأب واثنين من أبنائه من بعده)، لمدة 43 سنة من خلال حكم عسكري فاشي، أدار البلاد بقبضة من حديد، وأفقر البلاد والعباد. حصل حكّام نيكاراغوا خلال تلك الفترة، على دعم الولايات المتحدة الأمريكية. وتمكّنت هذه الأخيرة من بناء علاقات راسخة مع الأسرة الحاكمة، وإقامة تعاون عسكريّ واستخباراتيّ متين مع قيادات الحرس الوطني، اليد الطويلة للديكتاتور. في ذلك الوقت، كانت الحكومة الأمريكية، والجزء الأكبر من صحافتها ووسائل إعلامها- بإيحاء من حكومتها بالطبع-، تغضّ النظر عن ممارسات الطبقة الحاكمة في الجارة القريبة تجاه شعبها. لا بل تغاضت الحكومة ووسائل الإعلام على حدّ سواء، عن تورّط حكام هذا البلد الصغير في عمليات تهريب السلاح والإتجار بالمخدرات، بحيث غدت نيكاراغوا ممراً لعبور المخدرات من كولومبيا إلى أمريكا، في الوقت نفسه الذي كانت فيه هذه الأخيرة تخوض أشرس حملاتها ضد الإتجار بالمخدرات على أراضيها!

وعندما قامت الثورة الاشتراكية في سبعينات القرن العشرين، من خلال “الساندينيستا” (الجبهة الساندينستية للتحرير الوطني)، ضد الطبقة الحاكمة في نيكاراغوا، تدخّلت حكومة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عام 1979، بعد تأزّم الأوضاع هناك، لفرض حلّ سياسيّ، يحافظ على مصالحها. تمثّل الحلّ الذي إقرأ المزيد

شيء من الفلسفة لا يضرّ… قصّة الدجاجتين

على الرغم من أن الفلسفة قد لا تروق للكثيرين في العالم العربي، ومن أن فعل التفلسف قد خضع لتحويرٍ اصطلاحيّ سيء، بحيث بات يعني الرغو الفارغ، والاستفاضة في تفاصيل لا معنى لها، يبقى اللجوء إلى الفلسفة أمراً ملّحاً في واقع ضبابي تختلط فيه المفاهيم بعضها ببعض. وفي هذا الصدد أعرض هنا قصّة الدجاجتين الشهيرة للفيلسوف البريطاني برتراند راسل، التي ترد في عدد من كتب الفلسفة لإيضاح الفارق بين نوعين من المعرفة: المعرفة اليقينية، والمعرفة الظنية أو التجريبية.

تروي هذه القصة حواراً دار بين دجاجتين في قفص إحدى المزارع، وتتناقشان حول إمكانية الخروج من القفص الآمن إلى الفناء، لتناول طعامها من الحبوب التي تلقيها لهما زوجة المزارع. تقول الدجاجة الأولى لصديقتها: لن أخرج لأكل الحبوب اليوم، فلست أثق بهذين المزارعين. فتجيب الدجاجة الثانية: لم؟ فقد أعطيانا دائماً الحبوب، وأعتقد أيتها الدجاجة بأنهما سيعطياننا طعامنا اليوم أيضاً. هنا تعترض الدجاجة الأولى قائلة: إنها حقائق من الماضي! إلا أنها لا تثبت شيئاً حيال ما سيجري هذه المرة. إنها ليست بالإثبات المنطقي أليس كذلك؟ ولديّ حدس بأن المزارعين يخططان اليوم لقتلنا! لن أخرج من القفص إن لم تتمكني من إقناعي بأنه لمن الآمن الخروج. فتجيب الثانية: ثمّة نظرية أيتها الجبانة تقول إنه يمكننا القبول ببعض المعتقدات من إقرأ المزيد

وهلأ لوين: قراءة في فيلم نادين لبكي الجديد

يوم الاثنين هو يوم كئيب لصالات السينما اللبنانية، إذ غالباً ما يشهد تخفيضات على الأسعار لحثّ الرواد على القدوم وملء الصالات شبه الفارغة. إلا أن الاثنين الماضي كان مختلفاً، إذ كان ملفتاً ازدحام الصالات في رابع أيام إطلاق فيلم نادين لبكي الجديد “وهلأ لوين؟” الفيلم الذي حطّم كل الأرقام القياسية التي عرفتها السينما اللبنانية، مسجّلاً حضور أكثر من 21 ألف متفرج في الأيام الأربعة الأولى على إطلاقه، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ السينما اللبنانية، حتى أن بعض المسارح خصصت أكثر من صالة لعرض الفيلم في وقت واحد.

يعدّ فيلم “هلأ لوين؟” التجربة الإخراجية الثانية لنادين لبكي بعد فيلم “سكّر بنات”، وتدور أحداثه في قرية صغيرة معزولة عن محيطها، يسكنها مسلمون ومسيحيّون، لهم تاريخ من الصراع الطائفي دفعوا ثمنه حياة خيرة شبان القرية.

يبدأ الفيلم بمشهد نساء القرية المتشحات بالسواد والمتّحدات بالحزن والأسى في زيارتهن لمقبرة الضيعة، وهناك يحدث الانفصال حيث تتجه النسوة كلّ إلى مقبرة طائفتها إقرأ المزيد

خربشات سورية (4) – ما الذي ينقصنا؟

أصابتني الأنباء الواردة من سوريا باكتئاب شديد، كنت قد أعددت مجموعة من المقالات للنشر، أحاول فيها أن أناقش وبشكل موضوعي بعض قضايا الأزمة السورية لأستكمل خربشاتي السورية. لكن الدم ومشاهد الإصابات الناجمة عن القصف الهمجي على بعض أحياء حماة البارحة جعلاني أعزف عن هذه الخطوة. فما فائدة الكلمات اليوم والدم يجري أنهاراً، ما فائدة الكلمات وما زال بعض السوريين يتبجحون بمولاتهم للنظام، يتبجحون بأن الجيش إنما يقوم بواجبه الوطني وقد نسوا أو تناسوا أن العدو هو على الحدود الجنوبية لا وسط المدن والأحياء السورية؟! ما نفع الكلمات وبعض السوريين لا يرى حرجاً في قتل مئات السوريين والتنكيل بهم في يوم واحد ما دام ذلك بحجة حماية استقرارهم المزعوم؟؟

نعم يصيبني الاكتئاب عندما أكتشف أن أشخاصاً وأصدقاء أحب، ولي معهم ذكريات من أيام الطفولة يفكرون بهذه الطريقة، ويطالبون بالقصف والسحل وتربية العاصين! يا حيف.

لا أعرف كيف أصف سوداوية المشاعر التي أعيشها، أعرف أنني حوالي الساعة الحادية عشرة إلا ربع صباحاً حينما صحوت من أفكاري، وقررت إغلاق الكومبيوتر والنزول من غرفتي في الفندق لأتوجه إلى الكاتدرائية في لويولا، سمعت بعض الهتافات خارجاً، فأسرعت بالنزول، مع الكاميرا بالطبع.

لويولا هي إحدى قرى إقليم الباسك شمال إسبانيا والذي لدى البعض من أبنائه كما يعرف الجميع طموحات انفصالية، تمادى البعض فيها إلى حد تنفيذ عمليات إرهابية. في الواقع تقع هذه القرية الصغيرة في واد جميل يضم عدداً من المدن الصغيرة، ولكنها تكتسب أهميتها من كونها قرية القديس “إغناطيوس دو لويولا” مؤسس الرهبنة اليسوعية، الرهبنة الأكبر والأوسع انتشاراً في الكنيسة الكاثوليكية. من هنا فإن

إقرأ المزيد

خربشات سورية (3) – عن الخلط بين الدين والسياسة

في خضمّ المناقشات العديدة التي شهدتها الشهور الأخيرة من الأزمة الوطنية في سوريا، لا يمكن للمرء إلا أن يتوقّف عند ملاحظة في غاية الأهميّة، ألا وهي الضعف الواضح في الثقافة السياسية والوطنية لدى عددٍ كبيرٍ من الشباب الذين يلتقيهم المرء ويحاورهم، وعدم وضوح لديهم في المفاهيم المتعلقة بها. يبدو ذلك مفهوماً في ظل غياب أي شكل من أشكال الحياة السياسية الحقيقية في بلدنا طيلة الخمسين عاماً المنصرمة. ولعل المفهوم الأبرز الملتبس لدى الكثير من الشباب هو عن علاقة الدين بالسياسة.975large_28691

فكثير من الشباب الذين أعرفهم والذين ينتمون إلى ما اصطلح على تسميته اليوم بالـ “أقليات” المتنوّعة ضمن فسيفساء المجتمع السوري، يعلنون صراحة عن توجّسهم من بروز بعض رجال الدين في الحركة الاحتجاجية التي يشهدها الوطن، كما يتوجّسون من استخدام بعض الشعارات الدينية، لا سيّما انتشار استعمال المتظاهرين في إعلانهم تأييدهم للانتفاضة، لهتاف التكبير “الله أكبر” من على شرفات المنازل وأسطح البيوت في كثير من المناطق والقرى والمدن، معتقدين أن هذا التوظيف للدين ما هو إلا دليل واضح على أن الحركة ذاتُ طابعٍ “إسلاميّ – سنّي” إن جاز التعبير، الأمر الذي يبرّر برأيهم خوف الأقليات على مستقبلها، وإحجام غالبية أبنائها عن المشاركة في حراك قد يأتي بأحزاب دينية متشددة كالإخوان المسلمين، تهدّد نمط حياتها، وتقلّص من حرياتها.

ومن جهة أخرى يعتبر كثير من هؤلاء الشباب أنه من غير المقبول تدخل رجال الدين في السياسة، وأن واجبهم ينحصر في أمور الدين، وبالتالي يجب عليهم سواء أكانوا مسلمين ام مسيحيين أن يظلوا على الحياد في الصراع الدائر.

العلمانية وفصل الدين عن الدولة

في الواقع، لا يمكن القول سوى أن المبدأ السابق (عدم تدخل رجال الدين في السياسة) صحيح تماماً، ومطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى، خاصة لتطمين القلقين من أبناء الوطن. ففي أي دولة مدنية يرفض رفضاً قاطعاً الخلط ما بين الدين والسياسة، أو تدخل رجال الدين في السياسة. ولعلّ هذا المبدأ القادم

إقرأ المزيد

الإعلانات
%d مدونون معجبون بهذه: