شيء من الفلسفة لا يضرّ… قصّة الدجاجتين

على الرغم من أن الفلسفة قد لا تروق للكثيرين في العالم العربي، ومن أن فعل التفلسف قد خضع لتحويرٍ اصطلاحيّ سيء، بحيث بات يعني الرغو الفارغ، والاستفاضة في تفاصيل لا معنى لها، يبقى اللجوء إلى الفلسفة أمراً ملّحاً في واقع ضبابي تختلط فيه المفاهيم بعضها ببعض. وفي هذا الصدد أعرض هنا قصّة الدجاجتين الشهيرة للفيلسوف البريطاني برتراند راسل، التي ترد في عدد من كتب الفلسفة لإيضاح الفارق بين نوعين من المعرفة: المعرفة اليقينية، والمعرفة الظنية أو التجريبية.

تروي هذه القصة حواراً دار بين دجاجتين في قفص إحدى المزارع، وتتناقشان حول إمكانية الخروج من القفص الآمن إلى الفناء، لتناول طعامها من الحبوب التي تلقيها لهما زوجة المزارع. تقول الدجاجة الأولى لصديقتها: لن أخرج لأكل الحبوب اليوم، فلست أثق بهذين المزارعين. فتجيب الدجاجة الثانية: لم؟ فقد أعطيانا دائماً الحبوب، وأعتقد أيتها الدجاجة بأنهما سيعطياننا طعامنا اليوم أيضاً. هنا تعترض الدجاجة الأولى قائلة: إنها حقائق من الماضي! إلا أنها لا تثبت شيئاً حيال ما سيجري هذه المرة. إنها ليست بالإثبات المنطقي أليس كذلك؟ ولديّ حدس بأن المزارعين يخططان اليوم لقتلنا! لن أخرج من القفص إن لم تتمكني من إقناعي بأنه لمن الآمن الخروج. فتجيب الثانية: ثمّة نظرية أيتها الجبانة تقول إنه يمكننا القبول ببعض المعتقدات من إقرأ المزيد

Advertisements

الحرية للمدون السوري حسين غرير

لم يعد الصمت ينفع بعد اليوم، لا نريد وطناً نسجن فيه لقول كلمة، بل وطناً يتسع لكل الكلمات؟

هذه الكلمات هي آخر ما طالب به المدون السوري حسين غرير على مدونته, وها نحن اليوم ندوّن بأسى خبر اعتقال زميلنا حسين، من دون معرفة أسباب الاعتقال أو المكان الذي تم اقتياده إليه.
حسين، ذو الثلاثين ربيعاُ، متزوج وأب لطفلين، شارك في العديد من حملات التضامن مع الإخوة الفلسطينيين في حرب الكيان الصهيوني على غزة، ودوّن عن حرب الكيان ضد لبنان في 2006، كما كان من البارزين في تنظيم حملة “مدونون سوريون من أجل الجولان المحتل”، ومن المشاركين الفعّالين في حملة اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا جرائم الشرف.

رُهاب الحرّية والكره العميق للأحرار هو ما يجعلهم يعتقلون حسين. فالكلمة هي سلاح حسين وسلاحنا، ونريدها أن تكون سلاح جميع أنصار الصرخة مقابل الصمت. ندعوكم لرفع الكلمة وإعلاء الصوت من أجل حرّية حسين غرير وحرّية جميع معتقلي الرأي وأسرى الضمير في زنزانات سوريا.

نطالب السلطات السوريّة بالكشف عن مصير حسين وجميع أصدقائنا، عرفناهم شخصياً أم ﻻ، من أسرى الرأي والإفراج الفوري عنهم لما في اعتقالهم من اعتداءٍ على المنطق ومخالفةٍ لمنطلقات حقوق الإنسان، ونطالب أيضاً بوقف اﻻستقواء المخزي على أصحاب الرأي والكلمة. فالقوّة العمياء، مهما كبر حجمها، تبقى عمياء: تتعثر بنفسها وتسقط.

عشتم وعاشت سوريا.

خربشات سورية (5) – ستيف جوبز الجندلي

أحزنني كما أحزن الكثيرين نبأ وفاة ستيف جوبز، والذي تصدّر عناوين الأنباء وصفحات تويتر وفايس بوك منذ صباح الأمس. لن ينسى عالم التقنية هذا الرجل والإنجازات الكبيرة التي حقّقتها شركته والتي ساهمت إلى حدٍّ بعيد في تغيير وجه التقنية في القرن الجديد.312703_10150413580091183_646081182_10724381_1746641605_n

يرجع حزني هذا إلى خسارة شخص كان وراء إنجازات أستمتع ببعضها أيّما استمتاع، لا سيّما جهاز الآيبود الذي كلّما استعملته أدعو لستيف جوبز وشركة آبل اللذان مكنناني من الاحتفاظ بمكتبة موسيقية تتجاوز الـ 500 أسطوانة في قطعة إليكترونية لا يتجاوز حجمها راحة اليد. لا علاقة لحزني إذاً بالأسباب الشوفينية التي دفعت الكثيرين للتذكر بأنّ والد ستيف حوبز البيولوجي هو الدكتور السوري عبد الفتاح الجندلي الذي أنجبه إبان دراسته في أمريكا وعرضه للتبني وووو…

في الواقع شهد الفايس بوك أمس ما يشبه الانفجار في التعازي والتعليقات على نبأ وفاة جوبز، ولربما

إقرأ المزيد

وهلأ لوين: قراءة في فيلم نادين لبكي الجديد

يوم الاثنين هو يوم كئيب لصالات السينما اللبنانية، إذ غالباً ما يشهد تخفيضات على الأسعار لحثّ الرواد على القدوم وملء الصالات شبه الفارغة. إلا أن الاثنين الماضي كان مختلفاً، إذ كان ملفتاً ازدحام الصالات في رابع أيام إطلاق فيلم نادين لبكي الجديد “وهلأ لوين؟” الفيلم الذي حطّم كل الأرقام القياسية التي عرفتها السينما اللبنانية، مسجّلاً حضور أكثر من 21 ألف متفرج في الأيام الأربعة الأولى على إطلاقه، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ السينما اللبنانية، حتى أن بعض المسارح خصصت أكثر من صالة لعرض الفيلم في وقت واحد.

يعدّ فيلم “هلأ لوين؟” التجربة الإخراجية الثانية لنادين لبكي بعد فيلم “سكّر بنات”، وتدور أحداثه في قرية صغيرة معزولة عن محيطها، يسكنها مسلمون ومسيحيّون، لهم تاريخ من الصراع الطائفي دفعوا ثمنه حياة خيرة شبان القرية.

يبدأ الفيلم بمشهد نساء القرية المتشحات بالسواد والمتّحدات بالحزن والأسى في زيارتهن لمقبرة الضيعة، وهناك يحدث الانفصال حيث تتجه النسوة كلّ إلى مقبرة طائفتها إقرأ المزيد

نجنا يا سيّد- تأمّل في سرّ الصمت الإلهي

كتبت هذه التدوينة منذ حوالى الشهر والنصف ولا أعرف السبب الذي جعلني أعزف عن نشرها. إلا أنها تبدو مناسبة للنشر اليوم مثل كل يوم في الأشهر الستة الماضية.

كنتُ محظوظاً إذ وعظ رياضتنا الروحية الأخيرة يسوعيّ يعمل في روسيا، وهو روى لنا قبل بدئها قصّة مؤثرة عن إحدى العجائز- الجدات (بابوشكا)، ممن يسمونهن هناك ببطلات الإيمان. إنهن من القلّة القليلة الباقية على قيد الحياة من مؤمني الكنيسة الكاثوليكية، أولئك الذين عايشوا الاضطهاد الشيوعي الذي هدف إلى إرغامهم على جحد إيمانهم، إلا أنهم حافظوا عليه حيّاً رغم ذلك، وتجاوزوا الحقبة الشيوعية بل تمكّنوا من نقل إيمانهم إلى أولادهم وأحفادهم من بعدهم وإعادة إحياء الكنيسة الكاثوليكية الصغيرة هناك.

السيّدة التي أخبرنا عنها الكاهن هي من ألمان الفولغا الذين نفاهم ستالين إلى سيبيريا أثناء الحرب العالمية الثانية، لأنه شكّ في إمكانية تعاونهم مع النازيين أثناء الحرب (كتبت في تدوينة سابقة عن معاناة مماثلة للشعب الشيشاني). معاناة هؤلاء إذاً اتخذت أكثر من بعد، فهي معاناة قومية إذ وجدوا نفسهم ممن بين الأقليات المضطهدة في الاتحاد السوفياتي، معاناة وطن وأرض، إذ انتزعوا من أراضيهم ليتمّ وضعهم في مكان لا تتوفر فيه أدنى شروط الحياة، الأمر الذي أدى إلى وفاة أعداد كبيرة منهم في السنين الأولى للنزوح، ومعاناة دينية، إذ أصر الشيوعيون على انتزاع أي أثر للتدين من قلوب مواطنيهم السوفيات

إقرأ المزيد

خربشات سورية (4) – ما الذي ينقصنا؟

أصابتني الأنباء الواردة من سوريا باكتئاب شديد، كنت قد أعددت مجموعة من المقالات للنشر، أحاول فيها أن أناقش وبشكل موضوعي بعض قضايا الأزمة السورية لأستكمل خربشاتي السورية. لكن الدم ومشاهد الإصابات الناجمة عن القصف الهمجي على بعض أحياء حماة البارحة جعلاني أعزف عن هذه الخطوة. فما فائدة الكلمات اليوم والدم يجري أنهاراً، ما فائدة الكلمات وما زال بعض السوريين يتبجحون بمولاتهم للنظام، يتبجحون بأن الجيش إنما يقوم بواجبه الوطني وقد نسوا أو تناسوا أن العدو هو على الحدود الجنوبية لا وسط المدن والأحياء السورية؟! ما نفع الكلمات وبعض السوريين لا يرى حرجاً في قتل مئات السوريين والتنكيل بهم في يوم واحد ما دام ذلك بحجة حماية استقرارهم المزعوم؟؟

نعم يصيبني الاكتئاب عندما أكتشف أن أشخاصاً وأصدقاء أحب، ولي معهم ذكريات من أيام الطفولة يفكرون بهذه الطريقة، ويطالبون بالقصف والسحل وتربية العاصين! يا حيف.

لا أعرف كيف أصف سوداوية المشاعر التي أعيشها، أعرف أنني حوالي الساعة الحادية عشرة إلا ربع صباحاً حينما صحوت من أفكاري، وقررت إغلاق الكومبيوتر والنزول من غرفتي في الفندق لأتوجه إلى الكاتدرائية في لويولا، سمعت بعض الهتافات خارجاً، فأسرعت بالنزول، مع الكاميرا بالطبع.

لويولا هي إحدى قرى إقليم الباسك شمال إسبانيا والذي لدى البعض من أبنائه كما يعرف الجميع طموحات انفصالية، تمادى البعض فيها إلى حد تنفيذ عمليات إرهابية. في الواقع تقع هذه القرية الصغيرة في واد جميل يضم عدداً من المدن الصغيرة، ولكنها تكتسب أهميتها من كونها قرية القديس “إغناطيوس دو لويولا” مؤسس الرهبنة اليسوعية، الرهبنة الأكبر والأوسع انتشاراً في الكنيسة الكاثوليكية. من هنا فإن

إقرأ المزيد

خربشات سورية (3) – عن الخلط بين الدين والسياسة

في خضمّ المناقشات العديدة التي شهدتها الشهور الأخيرة من الأزمة الوطنية في سوريا، لا يمكن للمرء إلا أن يتوقّف عند ملاحظة في غاية الأهميّة، ألا وهي الضعف الواضح في الثقافة السياسية والوطنية لدى عددٍ كبيرٍ من الشباب الذين يلتقيهم المرء ويحاورهم، وعدم وضوح لديهم في المفاهيم المتعلقة بها. يبدو ذلك مفهوماً في ظل غياب أي شكل من أشكال الحياة السياسية الحقيقية في بلدنا طيلة الخمسين عاماً المنصرمة. ولعل المفهوم الأبرز الملتبس لدى الكثير من الشباب هو عن علاقة الدين بالسياسة.975large_28691

فكثير من الشباب الذين أعرفهم والذين ينتمون إلى ما اصطلح على تسميته اليوم بالـ “أقليات” المتنوّعة ضمن فسيفساء المجتمع السوري، يعلنون صراحة عن توجّسهم من بروز بعض رجال الدين في الحركة الاحتجاجية التي يشهدها الوطن، كما يتوجّسون من استخدام بعض الشعارات الدينية، لا سيّما انتشار استعمال المتظاهرين في إعلانهم تأييدهم للانتفاضة، لهتاف التكبير “الله أكبر” من على شرفات المنازل وأسطح البيوت في كثير من المناطق والقرى والمدن، معتقدين أن هذا التوظيف للدين ما هو إلا دليل واضح على أن الحركة ذاتُ طابعٍ “إسلاميّ – سنّي” إن جاز التعبير، الأمر الذي يبرّر برأيهم خوف الأقليات على مستقبلها، وإحجام غالبية أبنائها عن المشاركة في حراك قد يأتي بأحزاب دينية متشددة كالإخوان المسلمين، تهدّد نمط حياتها، وتقلّص من حرياتها.

ومن جهة أخرى يعتبر كثير من هؤلاء الشباب أنه من غير المقبول تدخل رجال الدين في السياسة، وأن واجبهم ينحصر في أمور الدين، وبالتالي يجب عليهم سواء أكانوا مسلمين ام مسيحيين أن يظلوا على الحياد في الصراع الدائر.

العلمانية وفصل الدين عن الدولة

في الواقع، لا يمكن القول سوى أن المبدأ السابق (عدم تدخل رجال الدين في السياسة) صحيح تماماً، ومطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى، خاصة لتطمين القلقين من أبناء الوطن. ففي أي دولة مدنية يرفض رفضاً قاطعاً الخلط ما بين الدين والسياسة، أو تدخل رجال الدين في السياسة. ولعلّ هذا المبدأ القادم

إقرأ المزيد

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: